ميلاد الدين: القصة الكبرى

إذا جاز لنا أن نسأل عن «ميلاد الدِّين»، فينبغي أولًا أن نُحدِّد ما هو الدِّين؟

لكنَّ الإجابة على سؤال كهذا تبقى محل شكٍ وريبة، إلى درجة أنَّ فيلسوفًا كـ «تشارلز تايلور» Charles Taylor في محاضرة له بعنوان «تَعدُّد معاني الدِّين» (The Polysemy of Religion) يقول: «أي شخص يبدأ عبارته بالقول إنَّ «الدِّين هو» أو «الدِّين يفعل»، ستُدرك تمامًا أن تلك العبارة خاطئة»، وكأنَّ أي مُحاولة للإجابة على هذا السُّؤال مُدانة سلفًا، وكأنَّ السُّؤال نَفسهُ كباعثٍ على الإجابةِ مدانٌ أيضًا، لذا فإنَّنا حين نَسأل «ما هو الدِّين؟» لن يكون بإمكاننا أنْ نَشرَع في أيَّةِ إجابةٍ إلا بقدرِ ما نُتقِنُ أولًا ما علَّمنا إيَّاهُ الفيلسوف الألماني «مارتن هيدجر» Martin Heidegger، وهو أنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نسألَ عن «ماهيَّة الأشياءِ» إلا عندما نَنْسِبُها، فيتحدَّد أفقُ السُّؤال بأفقِ المُجيب.

عندئذ تَصيرُ الصِّيغة المشروعة للسُّؤال هي: «ما هو الدِّين بالنِّسبة لمَنْ؟» و«مَنْ» هُنا تُشير إلى الكائن الفاني الذي ينتمي بوعيه إلى لحظة زمنيَّة معيَّنة تَجُود عليه بانفتاحٍ ما. فإذا أردنا أن نُعيِّن «مَنْ» المقصودة في أوسعِ دلالاتها الممكنة، سنُشير بها إلى «الإنسانيَّة المُعاصرة» بما تمتلكُ من زخائر معرفيَّة ومُكتسباتٍ علميَّة تُؤهِّلها للإجابة عن سؤال «ما هو الدِّين؟» على نحوٍ فريد وضمن آفاق أوسع من التي كانت تشملها إجابات أسلافنا في أيِّ وقت مضى.

سنُحاول من خلال هذا المقال أنْ نُقدِّم ملامح عامَّة للإجابة التي تَقتَرِحُها علينا الإنسانيَّة المعاصرة بخصوص سؤال «ما هو الدِّين؟». وسنُحدِّدُ هذه الملامح في ثلاثة أُطرٍ: الإطار الأوَّل، يتمثَّل في توسيع الخطِّ الزَّمني من خلال تصوُّر سرديَّة أعم وأشمل يقترحها علينا ما يُدعى بمجالِ «التَّاريخ الكبير» (Big History). أما الإطار الثَّاني، فيتمثَّل في توسيع مجال التَّعرُّف إلى الظاهرة الدِّينيَّة بحيث لا يقتصر على تعريفات المدارس الاجتماعيَّة والنفسيَّة والأنثروبولوجيَّة، بل ليشمل أيضًا المنابع البيولوجيَّة لهذه الظَّاهرة بما يتناسب مع سرديَّة التَّاريخ الكبير. أما الإطار الثَّالث، فيعرض لمقترحٍ يحظى بقبولٍ واسعٍ في الأوساط العلميَّة عن «الأطوار الثَّقافيَّة الكُبرى» التي مرَّ بها التَّاريخ البشري بأوسع معانيه المُحتملة، وكيف تَطوَّرت ظاهرة الدِّينِ خلال هذه الأطوار.

من التَّاريخ التَّقليدي إلى التَّاريخ الكبير

أسسَّ المؤرِّخ الأمريكيِّ «ديفيد كريستيان» David Christian ما يُعرف بـحقل «التَّاريخ الكبير»، وهو مجالٌ علميٌ معنيٌّ بدراسةِ تاريخِ الكون. وبعكس «التَّاريخ التَّقليدي» الذي ينصَرِفُ بالأساس نحو دراسة التَّاريخ المكتوب أو ما يُسمَّى بالتَّاريخ الحضاري الذي يُقدَّر عُمرهُ بِعُمُرِ اكتشاف الكتابة الذي لا يتجاوزُ في أقصى التَّقديراتِ 6000 عام، يَشْمَل نِطاقُ اهتمام التَّاريخ الكَبير فترات زمنيَّة شاسعة تَصِلُ إلى مليارات السِّنين، لا يُمثِّل الوجود الإنساني فيها أكثر من مُجرَّد حلقة تطوريَّة متأخِّرة جدًا من حلقات التَّطور الذي يبدأ بالحدث الكوني المعروف بالانفجار الكبير (Big Bang) وينتهي بالوقت الحاضر.

لذا، تتطلَب مهمَّة صياغة التَّاريخ الكبير كحقل بيني (Interdisciplinary) مُساهمة العديد من التَّخصُّصات بمن فيهم علماء الطَّبيعة. ولِتَسهيلِ عمليَّة إدراك الفترات الزَّمنية الشَّاسعة التي يتناولها التَّاريخ الكبير، ومَعرفة موقع الإنسان على خطَّها الزَّمني بوضوح، يقترح ديفيد كريستيان تَقليص حجم تاريخ الكون المُمتدِّ إلى حوالي 13 مليار عام بحوالي مليار مرَّة؛ لتتحدَّد بداية الكون مُنذ 13 عامًا فقط، يبدأ معها تاريخ الفيزياء حيث ظهور الطَّاقة والفضاء، يَتبعُ ذلك تاريخ الكيمياء الذي يبدأ مع تَكوُّن العناصر البسيطة التي تكوَّنت منها النُّجوم، ثم يأتي التَّاريخ الجيولوجي مع تشكُّل الأرض منذ 5 سنوات، يلي ذلك نشأة التَّاريخ البيولوجيِّ مع ظهور الكائنات متعددِّة الخلايا منذ 7 أشهر، ثم تَندَثر الدَّيناصورات بعد ذلك ببضعة أسابيع، لتَظهرَ أسلافنا من القِردة العليا منذ 3 أيام، وليبدأ جنسنا العاقل (Homo Sapiens) بالظهور في آخر 53 دقيقة، ثم تُكتَشفُ الزِّراعة منذ 5 دقائق، لتلحقَ بها الحضارة الزِّراعيَّة الأولى بعد دقيقتين، وأخيرًا يأتي المجتمع الصِّناعي منذ 6 ثوانٍ فقط. فأين إذنْ يمكنُ لنا أنْ نُعيِّنَ مَوطِئَ قَدمٍ للدين على هذا الخطِّ الزَّمني الشَّاسع؟(1)

من تاريخيَّة الدِّين إلى بيولوجيَّته

إنَّ ما يَلفِتُ النَّظرَ في الظَّاهرة الدينيَّة هو أنَّ كلّ سؤالٍ عن تاريخيَّتها لا يُقوِّضها بقدر ما يوسِّع من نطاقها التَّاريخي أكثر فأكثر، ويُنِّقيها من أي تعلُّقٍ وظيفيٍّ حتميِّ قد يرتبط بها، وبذلك يُوسِّعُ من تعريفها. وقد دفع الاتِّجاه الدَّارويني للعلوم الطبيعيَّة في القرن التَّاسع عشر علماء الاجتماع في القرن العشرين إلى طرح أسئلة تطوريَّة حول الوظيفة التَّكيُّفيَّة التي يُقدمها الدِّين للإنسان في تطوُّرهِ، فقُدِّمت نظريَّات كثيرة لتفسير نشأة ظاهرة الدِّين واستمراريَّتها التَّاريخيَّة، فسَّر كلُّ منها جانبًا ما من الظَّاهرة دون أن يَشملها.

فمثلًا، قدَّم «إميل دوركايم» Emile Durkheim ومدرسَتُه تفسيرًا يربطُ بين «الدَّين والتَّماسك الاجتماعيّ»، بحيث يكون الدِّين هو مصدر ذلك التَّماسك. لكنَّ أنظمة القرابة المُتَأسِّسة على رابطة الدَّم سواء في المجتمعات «البدائيَّة» المعاصرة أو في مجتمعات الصَّيد وجمع الثِّمار القديمة تُقدِّم رابطة أقوى لذلك التَّماسك، عوضًا عن أن الدِّين قد يلعب دورًا عكسيًّا في حالات أخرى فيؤدِّي إلى انشقاقات أو انقسامات اجتماعيَّة.

كذلك يُقدِّم بعض العلماء ربطًا بين «الدِّين والأخلاق»، لكنَّ هذا الرَّبط يُعدُّ متأخِّرًا في تاريخ الأديان، فالشَّر في الدِّيانات القديمة مفهوم وجوديّ وليس أخلاقيًّا؛ بمعنى أنَّ الإنسان ليس مسئولًا عن وجوده في العالم، لأنَّ العالَم وفقًا لهذه الدِّيانات لا يحكمهُ إله الخير المطلق فقط مثلما هو الحال في الدِّيانات التَّوحيدية، وإنَّما تتنازعهُ آلهة الشَّر إلى جانب آلهة الخير؛ فالشَّر وفق هذا المنظور هو أمرٌ طبيعيّ يتخلَّلُ نَسِيجَ الكونِ ويُمثِّل جزءًا لا يتجزَّأُ من بنيتهِ، ويستحيل على الإنسان مقاومته لطبيعته الإلهيَّة الخارقة. وبالتَّالي لم يعرف الدِّين قديمًا الرَّبط بين الدِّين والأخلاق، وكان علينا أن ننتظر ميلاد الدَّيانة الزَّرادشتية كأوَّل ديانة توحيديَّة لإقامة ذلك الرَّبط.

ويُقِيم علماء آخرون صلة بين «الدِّين والطُّمأنينة النَّفسيَّة وإقامة المعنى»، إلا أنَّ ربطًا من هذا القبيل لا يُمْكِنُ أن يتَجاهُل أيضًا ذلك الجانب الذي تكتمل به مفارقة الدِّين، حين يتحوَّل الدِّين إلى عنصر قلق في حياة الفرد؛ فلَكَم ما يتعرَّض الإنسان إلى ضغوط المساومة بين مبادئه الدِّينية وحياته العمليَّة، ولَكَم ما تَخذلُ حياته المعذَّبة خلاصهُ المُنتظر، ولَكَم ما يصرِف الإنسان وقته في تَرميم المعاني التَّقليديَّة التي أقامها الدِّين بداخله أمام الجريان العبثي للحياة، ولكم ما تحدَّث فرويد عن الدِّين نفسه بوصفه عُصابًا.


واتَّجه علماء آخرون إلى الرَّبط بين «الدين والسُّلطة»، باعتبار أن الدِّين ما هو إلا تجسيد رمزي لفكرة السلطة، وأنه يعكس هيراركيَّتها التي بدأت مع المجتمعات الزِّراعيَّة، وهذا الرَّبط بدورهِ ما يلبثُ أن ينهار إذا ما عُدنا بالتَّاريخ ثلاثة عشر ألف عامٍ إلى الوراء، حين كانت مجتمعات الصَّيد وجمع الثِّمار تمارس أنشطتها الدِّينيَّة خارج أي إطار مؤسَّسي لعشرات الآلاف من السِّنين حيث أمضى الإنسان 99% تقريبًا من تاريخه الدِّيني خارج إطار المؤسَّسات.

دفع التَّحدي الذي تفرضهُ ظاهرة الدِّين أمام التَّاريخ كثيرًا من العلماءِ إلى الكفِّ عن محاولة تتبُّع الدِّين كمحض ظاهرة تاريخيَّة تُشكِّل حلقة من حلقات الوجود الإنساني، والبدء في النَّظر إليه باعتباره مقترنًا بوجود النَّوع الإنساني نفسه بل سابقًا عليه بالمعنى التَّطوري للكلمة؛ بمعنى أن الدَّلائل الحفريَّة على وجود التَّجربة الدينيَّة لم تَعد مقترنةً فقط بما يُسمى بالإنسان العاقل (Homo Sapiens) بل تَقترِنُ أيضًا بوجه عام بالهومينيد (الأناسيّ) (Hominid) وما تفرَّع عنه من أجناس بشرية أخرى؛ كالإنسان المُنتصِب (Homo Erectus)، وإنسان النِّيانْدِرتال (Neanderthal)، بل صار بالإمكان ما هو أبعدُ من ذلك، وهو تَتَبُّع الملامح التَّطوُّرية الأولى للتَّجربة الدينيِّة في شكلها الذَّري الذي يتمثَّل في نظام الأمومة عند الثَّدييات منذ 135 مليون عام تقريبًا، حيث عزّز نظام الإرضاع الرَّوابط الوجدانيَّة بين الأم وأولادها.

فرغبةُ الأم في تجاوزِ ذاتها بالتَّضحية بنفسِها من أجل بقاء أطفالها من جهة، وضعف مواليد الثَّدييَّات واحتياجهم إلى رعاية الأمِّ من جهة أخرى، كلُّها أمورٌ مهَّدت الطَّريق أمام ميلاد الشُّعور بـ «التَّجاوز» (Transcendence) بوصفه شعورًا مركزيًا في الظَّاهرة الدينيَّة. وانطلاقًا من ذلك، بات التَّوجه إلى الدِّين كظاهرة دماغيَّة يمكن للعلوم المعرفيَّة (Cognitive Sciences) أن تدرسها أمرًا لا مفرَّ منه، فالدِّين يقبع في طبيعتنا الإنسانيَّة بل يسبقُها بالمعنى الواسع للكلمة.

الأطوار الثَّقافية الكُبرى للتَّاريخ البشري

يضعُ العلماء التَّجربة الدينيَّة الآن ضمن «أطوار ثقافيَّة كُبرى» للتَّاريخ البشري، تمتدُّ عبر مساحات شاسعة من الزَّمن قد تتجاوز مئات الألاف من الأعوام. بالطبع تتراجع دقَّةُ النَّتائج كلما حفرنا عميقًا في الزَّمن، لكنَّ الصُّورة الحاليَّة التي نُدرك بها مكوِّنات الدِّين تغدو أكثر منطقيَّة. فمثلًا، يستعير عالم اجتماع الأديان «روبرت بيلا» Robert Bellah تقسيم «ميرلن دونالد» Merlin Donald للتَّاريخ الثَّقافي للبشر في تتبُّع تطوُّر التَّجربة الدِّينيَّة، فيُرجع تطوُّر هذه التَّجربة إلى ثلاث مراحل، كانت كل مرحلة منها مسئولةً عن تطوُّر جزء مُعيَّن من التَّجربة الدِّينيَّة للبشر كما نخبُرها الآن. فـ «الطُّقوس» هي مفتاح فهم عصر «ثقافة المحاكاة» (Mimetic Culture) الذي بدأ منذ نحو المليون ونصف المليون عام، وهو عصر تعتمد ثقافته على «الحركة» كعنصر أساسي في التَّواصل، فلم يكن بعدُ ثمَّة لغة، وهي ثقافة لا تزال إلى الآن تَطْبَع ممارسات البشر رُغم الظُّهور اللاحق للغة.

يلي عصر ثقافة المحاكاة ما يسميِّه دونالد بعصر «الثَّقافة الأسطوريَّة» (Mythic Culture) الذي نشأ منذ ثلاثمئة ألف عام تقريبًا، والذي قاد التَّطوُّر التَّدريجي والبطيءُ فيه إلى ظهور اللُّغة قبل خمسين أو مئة ألف عام (لا يُعرف على وجه الدِّقة)، وقد بدأ الإنسان في هذا العصر باستغلال مهارته اللُّغوية بصورة أكثر تعقيدًا وكفاءة في التَّواصُل، مَكَّنته بحسب بيلا من التَّأسيس «للأساطير» كنظم معرفيَّة أساسيَّة للحياة الدينيَّة.

ثم يُعرِّج بيلا أخيرًا على ما يُسمى بعصر «الثَّقافة النَّظريَّة» (Theoretic Culture) وهو عصر ظهور الكتابة، الذي تبلور في مرحلةٍ متأخِّرةٍ منه ما يُعرَف (على نطاق واسع) بـ «العصر المحوري» (Axial Age)، ذلك العصر الذي شهد فيه العالم طفرة عقلانيَّة كبيرة في الحياة الرُّوحيَّة والفلسفيَّة للبشر في مناطق حضاريَّة لا يجمع بينها تاريخ مشترك تقريبًا، وأدى ذلك بدوره إلى تبلوُر العديد من «المعتقدات الكبرى»؛ فظهرت «البوذيَّة» في الهند، و«الكونفوشيَّة» و«الطَّاوية» في الصِّين، و«الزَّرادشتية» في فارس و«اليهوديَّة» في الشَّرق الأوسط، و«الفلسفة» في اليونان القديمة، وذلك كله خلال الفترة الواقعة بين القرن السَّادس قبل الميلاد والقرن الثَّالث قبل الميلاد.

بهذه الطَّريقة وبحسب بيلا تشكَّلت أركان الدِّين مثلما يَعْرِفها علماء الأديان الآن من «طقس»، و«أسطورة»، و«مُعتقد» حيث؛ تَرجِع الطُّقوس بوصفها الحلقة الأقدم إلى عصر ثقافة المحاكاة، فيما تنتمي السَّرديات والأساطير إلى عصر الثَّقافة الأسطورية، ويتَّصل أخيرًا المعتقد بعصر الثَّقافة النَّظريَّة.(4)

هكذا فإنَّ تضافُر المُنجزات العلميَّة في مجالات؛ كالبيولوجيا التَّطوُّريَّة، والعلوم المعرفيَّة، وعلم اللُّغة، والأنثروبولوجي، وعلم الآثار، والتَّاريخ، وغيرها من عشرات الفروع العلميَّة الدَّقيقة أعاد ولادة الدِّين في أفق سرديَّة أكبر تُرسِّخُّ لأعماقه البيولوجيَّة، وتُحرِّرهُ إلى حد كبير من كلِّ ادعاءٍ من شأنه أن يُقيِّدَ نشأة الدِّين بمرحلة تاريخيَّة ما، فقد أصبحنا ننظر إلى الدِّين بوصفه جزءًا لا يتجزَّأ من طبيعتنا البشريَّة أو كما نقول بيُسْرٍ «فِطرةً».

 

 

إضاءات