الأزمة اللبنانية وسعر صرف الليرة السورية

د. كنان ياغي 

تعرّض سعر صرف الليرة السورية في الأسبوعين الماضيين لضغوط كبيرة أدت إلى تراجعه حتى وصل إلى مستويات قياسية في السوق السوداء قاربت 715 ليرة للدولار الأمريكي الواحد، ويُعدّ هذا المستوى أعلى سعر وصلت إليه الليرة السورية في تاريخها. ولا يعود هذا التراجع إلى تأثيرات الحرب السورية فقط، إذ لم تحدث متغيّرات دراماتيكيّة، سواء أكانت سياسيّة أم اقتصاديّة، بل يمكن القول: إنَّ الأوضاع العسكرية والسياسية وحتى الاقتصادية الآن هي أفضل من كثير من المراحل التي مرَّ بها بلدنا سابقاً طوال الحرب. فهناك أسباب طارئة وجديدة دخلت على خط الضغط على سعر صرف الليرة وهي الأحداث الأمنية والسياسية التي تعصف بخاصرة سورية الحيوية، وهي الأزمة اللبنانية التي كان للعامل الخارجي الدور الكبير فيها، كما أنَّ الضغط على سورية من أهم أسبابها، لذلك لا بدّ من إيضاح أصل هذه الأزمة الاقتصاديّة اللبنانيّة وتحليل الأسباب المتعلّقة بها التي أثرت سلباً في سعر صرف الليرة السورية.

أولاً- الأزمة الاقتصادية في لبنان، الأصل والأسباب

يعتمد الاقتصاد اللبنانيّ على سياسة نقدية تُثبِّت سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي (1507.5 ليرة لكل دولار)، ويُعَدُّ تدفق الأموال الواردة من الخارج (تحويلات المغتربين) المورد الرئيس لتمويل مستوردات البلاد من السلع والخدمات[1] ولتغطية مدفوعات خدمة الدَّين العام بالعملات الأجنبية التي ارتفعت بشكل غير مسبوق، وباتت تهدد الاستقرار النقدي والاقتصادي في البلاد. بمعنى آخر، إنَّ تثبيتَ سعرِ صرفِ الليرةِ واستقرارَ الاقتصادِ اللبنانيِّ مرتبطان باستمرار التدفقات النقدية الواردة من الخارج. ولكن ومنذ العام 2011، بدأت هذه التدفقات تتقلّص وتتباطأ نتيجةً للضغوط الأمريكية على الاقتصاد اللبناني بهدف تقديم تنازلات سياسية تتعلق بحزب الله، وصولاً إلى توقفها بشكل شبه كامل اليوم، ما بات يهدّد ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكيّ.

ونتيجة لهذا التباطؤ في تدفق الدولارات، قام مصرف لبنان باتخاذ مجموعة من الإجراءات منها وقف القروض السكنية، ومنع المصارف من إقراض أكثر من نسبة 25% من ودائعها بالليرة اللبنانية للقطاع الخاص، وتقييد عمليات الاستيراد كالمحروقات وغيرها وتجميد التحويلات إلى الخارج. كلّ ذلك بهدف الحدّ من الاستهلاك المحليّ، ومنع استنزاف احتياطياته من القطع الأجنبي، كما لجأ مصرف لبنان ومنذ العام 2016 إلى الهندسات المالية بهدف استقطاب المزيد من أموال المودعين بالقطع الأجنبي. هذه الهندسات مبنية على بيع منتجات مصرفية طويلة الأجل (من 3 إلى 5 سنوات) بفوائد عالية لدعم احتياطيات مصرف لبنان من القطع الأجنبيّ، وتبعا لذلك دعم سعر صرف الليرة اللبنانية. 

 
لكن ومنذ مطلع 2019، لم تعد هذه الهندسات تجدي نفعاً، ما اضطر مصرف لبنان إلى أن يعمل على خطّ آخر وهو استقطاب الودائع مباشرة إليه، وبيع شهادات إيداع صادرة عنه في السوق الدولية وبفوائد وصلت إلى 14%، استمرّ الأمر إلى أن وصلت الاحتياطيات إلى خطوط حمر، فقلّص مصرف لبنان ضخّ الدولارات في السوق، ما دفع الشركات المستوردة إلى البحث عن الدولارات النقدية عند الصرافين. بذلك، يكون مصرف لبنان قد خلق سوقاً ثانية لسعر صرف الليرة موازية للسعر المعلن بينه وبين المصارف. ونتيجة لذلك بدأ الصرافون ببيع الدولار للشركات والأفراد بقيمة وصل أقصاها إلى 1900 ليرة لكل دولار، أي بأكثر من 25% من قيمته المعلنة. ولم يطل الأمر حتى بدأت الشركات اللبنانية المطالبة برفع الأسعار أو الحصول على التمويل من مصرف لبنان. هكذا اندلعت أزمة المشتقات النفطية والدواء والقمح التي لا تزال ذيولها قائمة إلى اليوم. أما باقي السلع المستوردة، فقد بدأت تشهد موجة تضخّم أسعار في أعلى درجات الركود الاقتصادي. كذلك، بدأ الأفراد يسحبون ودائعهم نقداً ويشترون بها دولارات لخزنها، استناداً إلى توقعاتهم بأن سرع صرف الليرة اللبنانية سيستمر في التراجع.

ثانياً- الإجراءات النقدية اللبنانية وتأثيرها الجزئي في سعر صرف الليرة السورية


قامت السلطات النقدية والمالية لمعالجة الأزمة النقدية والمالية التي يمر بها لبنان باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير التي كان لها تأثير سلبيّ في سعر صرف الليرة السورية وهي:

قيام مصرف لبنان المركزي بمنع عمليات إخراج الدولارات النقدية في حقائب الصرافين والتجار عبر مطار بيروت الدولي والمعابر الحدودية. كما ألزم مصرف لبنان مكاتب الصرافة بالحصول على ترخيص لنقل الأموال مسبقاً والقيام بذلك بوساطة شركات صيرفة مرخصة، في حين كان سابقاً بإمكان الناس نقل مبالغ كبيرة من الدولارات نقداً خارج لبنان بتصريح من سلطات الجمارك اللبنانية فقط. هذا القرار كان له تأثير سلبيّ في عمليات شحن الدولار الأمريكي للداخل السوري، إذ كان لها دور في تأمين السيولة النقدية من القطع الأجنبي لمصرف سورية المركزي والتي كانت بديلاً عن الحوالات النقدية (الكاش) نظراً إلى تراجعها بشكل كبير بسبب الفرق بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء.

تقييد مصرف لبنان لعمليات السحب والتحويل للودائع بالقطع الأجنبيّ من المصارف اللبنانية خوفاً من التأثيرات السلبية لهذه السحوبات في سيولة المصارف العاملة واحتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. وفي الحقيقة لم يتم وضع ضوابط رسمية (كابيتال كونترول) صادرة عن مصرف لبنان؛ بل كانت عبارة عن توجيهات شفهية للمصارف بحيث تفرض المصارف نوعاً من القيود والضوابط المتحرّكة ضمن حدود قصوى ودنيا تحدّدها هي فقط ليصبح الـ «كابيتال كونترول» غيرَ معلنٍ وغيرَ واضحٍ ومرتبطاً بمديري الفروع والزبائن.

وبدأ تقييد عمليات السحب بوضع سقف أسبوعي للسحب بـ 2000 دولار أمريكي ووصل اليوم إلى 1000 دولار أسبوعياً، ويمكن للمودع سحب أكثر من ذلك بالليرات اللبنانية حصراً، كما سمح مصرف لبنان للمودعين بقلب ودائعهم من ليرة إلى دولار بشرط تجميدها لسنة كاملة. كما قامت المصارف بمنع تمويل صرافاتها الآلية (ATM) بالدولار الأمريكي. كل هذه الإجراءات النقدية أضرت كثيراً بإمكانية سحب المودعين السوريين لودائعهم من المصارف اللبنانية والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، الأمر الذي أثر سلباً في سعر صرف الليرة السورية بسبب قلة المعروض من الدولار الأمريكي في السوق السورية. وحتى أنَّ المودعين الذي قبلوا بسحب ودائعهم بالليرات اللبنانية قاموا بتحويلها إلى دولار أمريكي في السوق السوداء (وبخسارة تراوحت بين 15-20% بسبب فرق سعر الصرف) الأمر الذي خلق طلباً إضافيّاً على الدولار الأمريكي.

قيام مصرف لبنان بالحدّ من تمويل العمليات التجارية (المستوردات) لتشتمل على مجموعة من السلع والخدمات الأساسية فقط. كما قلصت المصارف اللبنانية التسهيلات المصرفية الممنوحة للشركات بالدولار إلى حدّها الأدنى. هذا الأمر أثر سلباً في قدرة الشركات وأصحاب الودائع السوريين على تمويل عملياتهم التجارية بوساطة المصارف اللبنانية الأمر الذي اضطرهم إلى تأمين الدولار من السوق السوداء في سورية.

أدت الأزمة في لبنان إلى خلق طلب عكسي للدولار الأمريكي، أي من سورية إلى لبنان وعن طريق التهريب. وذلك بهدف تأمين القطع الأجنبي اللازم لتمويل العمليات التجارية في لبنان بسبب إحجام المصارف اللبنانية عن تأمين التمويل اللازم، إضافة إلى تأمين الطلب الناجم عن عمليات التحوط التي يقوم بها الأفراد في لبنان، حيث يقوم المودعون اللبنانيون بسحب ودائعهم نقداً وبالليرات اللبنانية ويشترون بها دولارات وبأسعار عالية لخزنها؛ ذلك استناداً إلى توقعاتهم بأن سعر صرف الليرة اللبنانية سيستمر بالتراجع.

زيادة في الطلب على بعض السلع والخدمات في السوق المحلية السورية عن طريق تهريبها من سورية إلى لبنان، نتيجة للنقص في بعض السلع وارتفاع أسعار بعضها الآخر. الأمر الذي خلق طلباً إضافيّاً على القطع الأجنبي في السوق السوداء في سورية لتأمين التمويل اللازم لزيادة المستوردات.

ثالثاً- إجراءات ممكنة للحد من تأثير الأزمة اللبنانية

العمل على إيجاد مصادر وأسواق جديدة لشحن القطع الأجنبي (الحوالات) من دول الجوار إلى السوق السورية لتكون رديفاً للسوق اللبناني كالأردن والإمارات، بهدف تأمين حاجة السوق السورية من القطع الأجنبي الكاش.

ضبط عمليات التهريب على الحدود وبخاصة المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية التي أصبحت تشكّل معابر لاستنزاف الاقتصاد الوطني وفي الاتجاهين.العمل على ضبط عمليات الاستيراد وخاصة للسلع الكمالية، إذ أصبحت السوق السورية بلد عبور للسلع التي يتم تهريبها لدول الجوار بسبب رخص أسعار المنتجات فيها، الأمر الذي يستنزف خزينة مصرف سورية المركزي ويؤثر سلباً على سعر صرف الليرة السورية.

العمل على خلق بيئة تشريعية تسمح بعودة المدخرات السورية في الخارج والتي تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات عبر إعطاء ضمانات حقيقية لأصحاب الودائع بالقطع الأجنبي، إضافةً إلى اتخاذ سياسات تحفيزية كرفع أسعار الفوائد على الودائع بالقطع الأجنبي وبالليرة السورية.

العمل قدر الامكان على سداد التزامات البلد عن طريق الحسابات المصرفية المفتوحة في الخارج، بهدف التخفيف من الضغط على مصرف سورية المركزي لتأمين القطع الأجنبي (الكاش)، وللحد من سداد قيمة بعض المستوردات بالليرة السورية التي يتم تحويلها لقطع أجنبي في السوق السوداء، الأمر الذي يؤثر سلباً على سعر صرف الليرة السورية.

 

ملحوظة:  سجّل عجز الميزان التجاري في لبنان 17 مليار دولار سنوياً، ما يعني أن 17 ملياراً من العملة الصعبة تخرج سنوياً من لبنان. ولم تستطع التحويلات النقدية المتراجعة والاستثمارات المنعدمة من سد الفجوة بين ما يخرج وما يدخل.

 



الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات