«قسد» ترقص على حبال التناقضات

مرّ شهرٌ على عملية «نبع السلام» التركية في الأراضي السورية الشمالية، من دون أن يتبدّد الغموض حول مصير تلك المنطقة، في ظلّ متغيرات كثيرة وسريعة، أهمّها دخول الجيش السوري وروسيا كلاعبَين رئيسين في الملف، في مقابل تراجع الولايات المتحدة عن قرار الانسحاب الكامل، واستقرارها على وجود جزئي. تناقضات تسعى القوى الكردية إلى الاستفادة منها للحفاظ على مكتسباتها السياسية والعسكرية واستعادة بعض حضورها الميداني.

يسجّل الموقف الكردي السياسي والعسكري تقلّبات شبه يومية حيال التطورات التي تشهدها منطقة شرقي الفرات. إذ إنه دائماً ما يتبدّل مع تبدّل التصريحات الأميركية التي تتّسم كذلك بالتخبط، في مقابل سعي روسيا إلى أخذ دور اللاعب الرئيس في الشمال، من خلال استحصال ثقة الأطراف كافة لإنجاز تفاهمات كاملة.

الولايات المتحدة استقرّت ــــ حالياً ــــ، في تأرجحها بين خيارَي الانسحاب النهائي والبقاء، على خيار وسطي هو البقاء الجزئي والمحدود. وأتى تحديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مساحة الوجود العسكري الأميركي بمحيط حقول النفط والغاز، ليمسك بورقة النفط كمورد رئيس لا يمكن للدولة السورية من دونه أن تستعيد عافيتها، وبما يبقي الولايات المتحدة لاعباً رئيساً في الملف السوري إلى حين إنجاز تسوية شاملة. وعلى رغم أن الأكراد سرّبوا تصريحات عن رفضهم استثمار الأميركيين للنفط، إلا أنهم في الواقع يجدون فيه فرصة للحفاظ على وجود عسكري مهم للأميركيين، من شأنه أن يخلق توازناً مع الوجود الحكومي السوري والروسي والتركي، يحافظ على جزء من مكتسباتهم السياسية والعسكرية. ومع أن الخيار الأميركي قد لا يكون نهائياً، في ظلّ ترقب نتائج الزيارة القريبة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لواشنطن، إلا أن القوى الكردية سارعت إلى تلقّف الإعلان الأميركي، واستغلّته لتخفيف الضغوط الروسية عليها، واستثماره في العملية التفاوضية مع الحكومة السورية والروس حول مستقبل مناطقهما.


وفي تصريحات لقناة «روداو» الكردية، أعلن القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي (كوباني)، أنهم «تلقّوا تأكيدات أميركية في شأن البقاء في الشمال السوري، واستمرار التنسيق مع قواتهم»، مضيفاً إن «الأميركيين سيبقون لثمانية أسباب»، من دون أن يكشف عنها. ورأى أن «الأميركيين ليسوا بحاجة إلى النفط السوري، لكن بقاءهم سيكون لإحداث توازن في المنطقة»، معتبراً أن «الانتشار في محيط حقول النفط سيكون لمنع داعش والحكومة السورية من الوصول إليها». وكشف أن «التحالف لا يزال موجوداً في عين العرب، والمنطقة الممتدّة من دير الزور حتى سيمالكا (...) وسيتمّ إنشاء مقارّ لهم في تلك المناطق، ومناطق أخرى كالمالكية».

 كذلك، حدّد بعض المهمات التي سيبقى لأجلها «التحالف» بـ«حماية السجون، ومحاربة داعش، وحماية المخيمات، واستمرار برنامج تدريب قواتهم، مع برامج إعانة لسكان مناطق الشمال»، نافياً «تلقّي أيّ وعود بدعم سياسي أميركي للأكراد في هذه المرحلة». وتوازت تصريحات القائد العام لـ«قسد» حول العلاقة مع الأميركيين، مع أخرى إيجابية تجاه موسكو، في سعي كردي واضح إلى الحفاظ على مسارين في التنسيق: الأول مع «التحالف»؛ والثاني مع الروس لتجنّب تكرار الخذلان الأميركي لهم في حال تراجع واشنطن عن قرار البقاء مجدداً. لذلك، بدت لهجة عبدي (كوباني) أقلّ حدّةً تجاه موسكو، إذ لفت إلى أن الأخيرة «تبذل جهوداً حقيقية وجادّة للتوصل إلى اتفاق بيننا وبين الحكومة السورية»، مؤكداً أن «الاتفاق مع الروس عسكري، وهو يجري بصورة جيدة». كما تحدث القيادي الكردي عن «جهود روسية لإنجاز اتفاق سياسي بخصوص المناطق الخاضعة لسيطرة قواتهم».في المقابل، لم تمنع كلّ التصريحات الأميركية والكردية حول بقاء القوات الأميركية في سوريا، الجانب الروسي، من تكثيف جهوده للإمساك بملف الشمال السوري، والسعي إلى إنجاز تفاهمات سياسية وعسكرية تمنع عودة الاشتباكات إلى المنطقة، من خلال التنسيق مع الحكومة السورية و«قسد» من جهة، والأتراك من جهة أخرى. ويعكس وجود قيادات عسكرية روسية رفيعة المستوى في مدينة القامشلي جدّية موسكو في إنهاء حالة الصراع بين «قسد» والأتراك، من خلال إعادة كامل المنطقة إلى السيادة السورية، وبالتوافق بين الحكومة و«قسد». ولعلّ روسيا تستعجل إطلاق مباحثات بين «قسد» ودمشق، لاستثمار فترة توقف المعارك في رسم سيناريو عسكري ــــ سياسي يرضي جميع الأطراف، وينزع كل ذرائع أنقرة لاستئناف العمليات العسكرية.

لكن المهمة الروسية لا تبدو سهلة في ظلّ العناد الكردي المستمر في مسألة التفاوض مع الحكومة السورية. وهذا ما عبّر عنه القائد العام لـ«قسد»، من خلال تحديده شرطين رئيسين لإنجاز اتفاق مع الحكومة، هما أن «تكون الإدارة القائمة جزءاً من إدارة سورية عامة ضمن الدستور، مع الحفاظ على خصوصية قسد ضمن منظومة الحماية السورية»، إضافة الى رفض انضمام عناصر «قسد» إلى الجيش السوري. ووصف عبدي (كوباني) حديث الرئيس بشار الأسد الأخير عن التطورات في الشمال السوري بأنه «لم يكن إيجابياً»، مستدركاً بالقول: «لكن موقفه إزاء قواتنا والشعب الكردي كان إيجابياً، وترك قناة الحوار مفتوحة». وتبعا لذلك، فإن الأكراد يسعون إلى انتهاج سياسة «إمساك العصا من الوسط»، في مسألة استثمار الوجود العسكري الأميركي والروسي والسوري في مناطق سيطرتهم. سياسة لا تبدو فرص استمرارها كبيرة، في ظلّ اختلاف أهداف الأطراف ودوافعهم. كما أن التصريحات التركية عن عدم انسحاب كامل قوات «قسد» من منبج وتل رفعت ومنطقة الـ 30 كلم على الحدود قد تدفع أنقرة إلى استئناف عمليتها، ونسف كلّ التفاهمات مع الروس والأميركيين، بذريعة عدم تطبيق الأكراد لالتزاماتهم.

 



الأخبار