الدين والثقافة: مساجد مصرية مزيّنة بآثار فرعونية

الدين والثقافة: مساجد مصرية مزيّنة بآثار فرعونية

(لا تفسد آثار الغير، بل قُم باستخراج الأحجار من محاجر طرة، لا تقم ببناء مقبرتك من مواد البناء المهدمة، بل استخدم ما صُنع من أجلك خصيصًا.—نص فرعوني – كتاب أدب المصريين القدماء لباحثة المصريات مريام ليشتهايم)

في عام 1890 زار الأثري البريطاني ويليام ماثيو فلندرز بتري مصر، كان طبيعيًا أن تكون الأهرامات الثلاثة الوِجهة الأولى لعالم المصريات الشهير. يحكي الرجل أنه ما أن دلف إلى المنطقة حتى لاحظ قافلة مكونة من مئات الجمال، مُحمَّلة بأحجار أثرية سيّرها الأهالي بعد ما استقطعوها من أهرامات ومعابد المنطقة لاستخدامها في بناء منشآتهم.


وتؤكد المرويات التاريخية أن السلطان الناصر يوسف صلاح الدين، مؤسِّس الأسرة الأيوبية، في ظل حالة الحرب التي جمعته مع الصلبيين، سعى لتدشين سور يحيط بالقاهرة وقلعة يحميانها من أي غزو محتمل، وتوفيرًا للوقت فقد عمد لهدم الأهرامات الصغيرة بالجيزة واستعمالها على يد وزيره الأمير بهاء الدين قراقوش.


يقول الرحالة الأندلسي ابن جبير: «موضع يُعرف بإنصا مُيسر لنا، وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة، وكانت في السالف مدينة عتيقة، وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين، وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخره القاهرة، فنُقل بأسره إليها»، ولقد عُثر بالفعل على عددٍ من الأحجار الجرانيتية ذات النقوش الهيروغليفية في الأسوار الشرقية للقلعة، وتحديدًا في الممرات الداخلية بين بابي النصر وباب الفتوح.

يحكي حسن عبدالوهاب كبير مفتشي الآثار الإسلامية السابق، أنه خلال عمليات تقوية مقياس النيل بالروضة عام 245هـ/859م لتقيه دفع مياه النيل،قرّر مهندس الخليفة العباسي المتوكل استخدام مجموعة من الكتل الحجرية الفرعونية تم انتزاعها من أنقاض آثار مدينة عين شمس وكنيسة قبطية قديمة. هذه القِطع اكتُشفت إبان القيام بعملية ترميم للمقياس عام 1942م، حيث استُخرج من مبناه 250 حجرًا تحمل نقوشًا بالخط الهيروغليفي والقبطي.

الإله أنوبيس في حضرة الحسين

في عام 2017، أعلنت وزارة الآثار المصرية، أنه خلال القيام بأعمال ترميم مسجد أبو شوشة في البحيرة، تم العثور على لوحة أثرية استُخدمت في أساسات البناء الذي أنشأه الأمير عيسى العادلي (961هـ-1554م)،عليها نص هيروغليفي يوضح تقديم قرابين للإله.

وهنا تتجلى المفارقة التاريخية والدينية التي قلّما نجدها في أي دولة أخرى بالعالم إلا مصر التي تشربت أرضها حضارات عدة بلا توقف، فطوال عشرات السنوات، ظلَّ مؤذنو «أبو شوشة» يرتقون 5 مرات يوميًا يصدحون بالآذان ويدعون الناس إلى الصلاة، دون أن يخطر في بالهم ولو لِلحظة، أن القاعدة المتينة التي يقفون عليها إنما هي تُمجد آلهة الفراعنة، وهو مشهد سيتكرر معنا كثيرًا خلال هذا التقرير.

اعتُبر هذا الحجر أهم اكتشاف أثري بالبحيرة، منذ العثور على حجر رشيد بواسطة الحملة الفرنسية، وإن علمنا أنه بدوره كان مستخدمًا في بناء قلعة رشيد (طابية رشيد) في عهد السلطان قايتباي، بعد ما انتُزع، في الأغلب،من معبد سايس الفرعوني بالغربية، لأصبح من السهل علينا تخيل حجم الآثار التي غادرت مكانها واستُعملت في الأبنية الأخرى، بداية المنازل والوكالات وحتى الكنائس والمساجد.

لم يكن «أبو شوشة» أول مسجد يعتمد بُناته في تأسيسه على حجارة الفراعنة، وإنما شمل الأمر مسجد الحسين (المشهد الحسيني) ذاته، فإبان آخر عملية تجديد شاملة له في عهد الخديوِ إسماعيل، تم اكتشاف 3 أجزاء من تابوت فرعوني ضخم استُعملت لتدعيم قواعده، ووفقًا للنقوش الفرعونية فإنه يخصُّ المدعو «وسر-ماعت-رع» الذي حُفر اسمه عليه بجانب بعض رسوم تجسد الآلهة المصرية القديمة مثل الإلهة نيت والإله أنوبيس، وقد تم استقدامه من منطقة سقارة كما رجح جاستون ماسبيرو مدير المتحف المصري السابق وقتها، وبالطبع تم انتزاع التابوت من مكانه وإيداعه داخل المتحف المصري.
 نفس الفِعل تكرر في مسجدين أقل شهرة، وهما جامعا قوصون الساقي، فعقب تهدمه عُثر على ناووس بأساسات المسجد من الجرانيت الرمادي يحمل نقشًا هيروغليفيًا مكرسًا لآلهة تل بسطة بمدينة الشرقية.

ناووس أثار فرعونية

إضافة لمسجد شيخو الكائن في شارع الصليبة بالسيدة زينب، الذي أنشأه الأمير سيف الدين شيوخ الناصري، أحمد مماليك الناصر محمد بن قلاوون، ففي عام 1870م اكتشف محمد أفندي خورشيد ناظر الآثار حينها، لوحة مصرية من الجرانيت الأسود بحالة ممتازة في أساسات حجرة صغيرة بالمسجد، وهي إحدى اللوحات المهمة لُقبت لاحقًا بِاسم «لوحة الوالي»، وهي مقسمة إلى جزأين: العلوي يسجل منظرًا لوالي مصر بطليموس الأول يقدم قرابين للإلهة سايس والإله حورس، ويعلوهما قرص الشمس المجنح ونقوش هيروغليفية، أما الجزء الثاني من اللوحة فيشغله نص هيروغليفي طويل.

وفي جميع الأحوال كانت المادة الجرانيتية (أو الكوارتزايت) الصلبة المبرر المنطقي الذي اعتقد علماء الآثار أنه سبب الاستعانة بهذه القطع كأساس لتدعيم بنية المساجد، خلال لحظات تدشين قواعدها.
«بيوت الحي أبقى من مساخيط الميت»

قد يكون هذا الأمر مستهجنًا بثقافة عصرنا التي تشربت قدسية الآثار وأهمية الحفاظ  عليها، وهو ما لم يكن متوفرًا في العقل الجمعي لأهل العصور الغابرة الذين تعاملوا معها على أن منتجات الأقدمين «طلاسم»، فلم تتبين فيها إلا أنها حجارة جيدة البناء متينة التكوين لمبانٍ خربت وغرب زمنها، فلا بأس من الاستعانة بها لإعمارأخرى أحدث من منطلق المثل المصري الشهير «الحي أبقى من الميت».
يحكي الدكتور قاسم زكي في كتابه «مأساة نفرتيتي وأخواتها»، أن نقل الآثار واستخدامها في بناء المساجد كان من الأمور العادية في مصر قبل تأسيس علم الآثار والاهتمام به، لذا ليس بالغريب أن يُعاد استخدام الحجارة الأثرية في إقامة أبنية هذا العصر، لم تتواجد فقط في الكنائس والمساجد بل ومنازل المواطنين، موضحًا أن عملية نقل الأحجار هذه قضت على الكثير من المعابد الفرعونية التي كانت تتواجد بمنطقة الأهرامات بالجيزة.


هذه الإعادات البنائية خلقت مواقع تراكمت فيها مُنتجات الحضارات المصرية فوق بعضها، وهو ما يتضح بشدة في موضع كمسجد أبو الحجاج الأقصري، الذي تم إنشاؤه بالعصر الأيوبي (658 هـ- 1286 م) على أحد أسوار معبد الأقصرالفرعوني، بعدما بُني بأحجار كنيسة متهدمة أقيمت على أطلال معبد فرعوني قديم،ولا يزال حتى الآن يحتوي بداخله على عددٍ من الأعمدة المزينة برسومات ونقوش تاريخية تزهو بانتصارات رمسيس الثاني على أعدائه، علاوة على نقش ثانٍ لذات الملك وهو يقدم قرابين للإله آمون رع، كما أن محرابه عبارة عن تجويف كبير أُحدِث في عمود عملاق ظلَّ صامدًا من بقايا المعبد، ليجاور مقام «القديسة تريزة» القبطية، رضي الله عنها، كما هو مكتوب في اللافتة الإرشادية بالمسجد، وهي كانت تحكم البلدة إبان قدوم الولي الصالح أبي الحجاج من مكة إليها، وبعد وفاتها دُفنت بمسجده، وهكذا فإن هذه الرقعة الصغيرة أوت رفات ولي وراهبة، وشهدت عبادة الإله بمختلف أنواع العقائد التي مرّت ببلاد النيل؛ الفرعونية والمسيحية والإسلامية.
ولا يمكننا اعتبار محراب «أبو الحجاج» الوحيد في مساجد «فرعوني الصنعة»، وإنما محراب مسجد الخلوتي هو عبارة عن قطعة واحدة من الجرانيت الأسود، كانت سابقًا غطاء لتابوت فرعوني.

9 قرون من نقل الآثار

(في غالبة المساجد، نرى عددًا كبيرًا من الأعمدة وغيرها من الآثار الجرانيتية المستخدمة اليوم في طقوس العبادة الإسلامية، كما أن أعتاب الأبواب من الجرانيت أيضًا، والتوابيبت القديمة تُستخدم كمسقى للحيوانات. * علماء الحملة الفرنسية، كتاب وصف مصر)

ومن جانبها، أجرت الدكتورة رضوى زكي، المتخصصة في دراسة الآثار الإسلامية وتاريخ العمارة المصرية، بحثًا معمقًا عن «سيرة الآثار المنقولة في عمارة القاهرة الإسلامية» خرج إلى النور في كتاب قيّم بعنوان «إرث الحجر»، أجرت خلاله دراسة معمارية تجاوز نطاقها الزمني الـ9 قرون من تاريخ مصر، بدايةً من الفتح العربي الإسلامي وحتى نهاية العصر المملوكي 93هـ/1517م، تركزت على القاهرة بفضل ما حوته من مختلف أنماط الآثار المنقولة ومواد البناء القديمة في بنية عمائرها، وأكدت فيه أن أحجارًا فرعونية استُعملت في بناء جدران المدن الحصينة وتدعيم أساسات المنازل، علاوة على استخدامها كأعتاب سفلية في مداخل بعض المساجد ظلت في موضعها حتى اليوم.

تستعرض دراسة زكي عددًا من الأمثلة الهامة للمساجد التي أوت بين ظهراني عمرانها صنائع الأجداد الغابرين، فمثلاً مسجد الحاكم بأمر الله ضمَّ في بنيان مئذنته الشمالية 17 كتلة حجرية فرعونية (14 من الحجر الجيري + 3 من الكوارتزيت)، بالجزء السفلي للبدن الخارجي للمئذنة، تحمل كتابات ونقوشًا تدل على أنها تعود لعهد الملك أخناتون من عهد الدولة الحديثة، بعض نقوشات صوّر بها أهل ذلك العصر بعض تفاصيل حياتهم كنقش غزالة صغيرة وأرجل أحصنة، ومناظر لأشخاص يقومون بحياتهم اليومية.


أما الناصر محمد بن قلاوون فقد اتخذ نهجًا سيئًا في تعامله مع الآثار خلال فترة حكمه لمصر، فلقد كلّف أمراء الأشمونين والصعيد بشحن عددٍ من الأعمدة والمسلات لبناء مسجده وبعض المنشآت الأخرى بالقلعة، وسجل المستشرق لويجيمايرفي مشاهداته عن مصر عام 1800م أنه رأى إحدى المسلات المصنوعة من الشست الأسود والمنقوش عليها باللغة الفرعونية مستخدمة كعتبٍ للمسجد، بينما حكى علماء الحملة الفرنسية في الجزء الـ28 من كتاب «وصف مصر»، أنهم عثروا على مسلة أخرى استُخدمت كدعامة لإحدى نوافذ نفس المسجد، ولقد نقل العلماء هاتين المسلتين إلى الإسكندرية تمهيدًا لشحنهما إلى باريس، لكن الجيش الإنجليزي استولى عليهما، وهما الآن محفوظتان في المتحف البريطاني، والمسلتان تُنسبان لعهد الملك نكتانبو الثاني.

كما كشف علماء الحملة الفرنسية أنهم عثروا في مسجد أمير أخورا (الناصرية)، على حجرضخم لا يقل أهمية عن حجر رشيد، كان مستخدمًا كدعامة لنافذة خارجية لمسجد أطلقوا عليه هذا الاسم، لكننا لا نعرف بالتحديد مكان الجامع المقصود الآن.

والحجر الذي تم العثور عليه من البازلت الأسود، ويحمل نقوشًا بالخط الهيروغليفي والديموطيقي واليوناني، لكنه كان في حالة سيئة بعد تعرضه للتآكل نتيجة إعادة استخدامه بالمسجد، وتم نقله إلى متحف اللوفر في فرنسا لمحاولة دراسته، إلا أن حالة النقوش السيئة لم تُمكن العلماء إلا من تبيان بعض العبارات البسيطة بأنه نسخة من مرسوم يرجع إلى عهد الملك بطليموس الثالث من العصر البطلمي.


أما في مسجد المارداني، الذي أنشأه الأميرالطنبغا بن عبد الله المارداني أحد ممالك الناصر محمد بن قلاوون، وزوج ابنته، فتوجد بقاعدة أحد أعمدة الرواق الخلفي كتلة حجرية من الجرانيت الوردي تحمل على أحد جوانبها نقشًا فرعونيًا.


وتضيف زكي أن مسجد حسن السويدي الكائن بمصر القديمة، والذي أنشأه القاضي محمد بن حسن بن سويد في عهد الأشرف برسباي، شهد سابقة نادرة، وهو وجود عمود فرعوني كامل من الجرانيت الوردي جوار رواق القبلة، منقوش عليه كتابات فرعونية من أعلاه لأسفله، وقد تآكل قدر كبير منها لكن بعضها لا يزال قابلاً للقراءة حتى الآن، أما مسجد خاير بك ملباي بالدرب الأحمر، أحد مماليك الأشرف قايتباي، فيوجد بمدخله عتب سفلي من الجرانيت يحمل نقوشًا هيروغليفية يخطو عليه الوافدون للمسجد في طريقهم للصلاة، وعلى الرغم من أنه بحالة سيئة تمامًا، فإن في الجانب الأيمن منها يظهر منظر للإله أوزير وخرطوش ملكي غير واضح المعالم.

 كما يوجد بمدخل مسجد خاير بك بن ملباي،من مماليك الأشرف قايتباي، عتب سفلي من الجرانيت يحمل نقوشًا هيروغليفية، وعلى الرغم من أنها بحالة سيئة تمامًا، فإن في الجانب الأيمن منها يظهر منظر للإله أوزير وخرطوش ملكي غير واضح المعالم.


عنصرية أم حشرات؟

وعن دوافع أهل مصر لاستخدام أحجار الفراعنة في منشآتهم، يُمكن فهم منطق الاستعانة بأحجار صلدة كالجرانيت أو الكورتزيت في أساس المنشآت، أما عن انتزاع قطعة حجرية أو خشبية من معبد ما لتدعيم قاعدة عمود أو عتبة مدخل، فهو الأمر الذي تباين في تبريره المتخصصون، فمثلاً،اعتقد المؤرخ المعماري البريطاني أرشيبالد كريزويل،في كتابه «العمارة الإسلامية في مصر»، أن النیة من استخدام كتل حجریة فرعونیة بأعتاب بعض مداخل العمائر الإسلامیة، هو أن مرور المصلين عليها يغذي شعورهم بالتفوق عند عبورهم بأقدامهم على أثر وثني.

رفضته الدكتورة رضوى زكي ذلك التفسير في حديثها لـ«إضاءات»، واعتبرت العامل الاقتصادي هو السبب الأول وراء هذا الأمر، بسبب رغبة البنّائين في الانتهاء من منشآتهم بأسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة عبر الاعتماد على قطع سابقة التجهيز، أما السبب الآخر، فهو الثقافة الشعبية عند الناس بأن النقوش الهيروغليفية التي لا يجيدون قراءتها عبارة عن «طلاسم» لها قوى سحرية قادرة على حماية المنشآت عبر إبعاد الزواحف أو الحشرات أو القوارض، وحمايتها من أي أخطار أخرى.

 



إضاءات