دمشق ومحيي الدين بن عربي

رقيقة هي دمشق وجبارة هي دمشق، حتى أنها تبدو لي أحياناً مدينة اللامعقول! شهدت عصور التاريخ حلوها ومرها، وظلت مدينة الياسمين والسيف الدمشقي.


كانت دمشق على موعد مع قدرها العربي، ومع أنها انتظرته قروناً طوال، فقد قاومت سيف خالد، ولكن أين المفر إنه سيف الله! والله محق وعده. فارتمت في أحضان أبي عبيدة، تنشد طيبته وتسامحه. أغرت معاوية بكل مفاتنها فجعلها موطنه وحبيبته، أخلصت له ودعمته بكل طاقاتها، حتى غدت عاصمة الدولة الفتية، ومنبر صولة بني أمية. ففتح منها الأمويون الدنيا وحكموا منها الدنيا. بلورت دمشق شخصية العرب الجديدة، وصاغت دمشق حضارة العرب الجديدة، التي أينعت في الأندلس وبغداد والقاهرة.


ردت الفرنجة عن أسوارها، ولم تنم حتى رمتهم بربيبها صلاح الدين فدمرهم في حطين. دخلها المغول فجاءهم ربيبها الآخر بيبرس مع المظفر قطز فاستأصل شأفتهم في عين جالوت. قهرت دمشق أشرس الغزاة ومن لم تستطع قهره هضمته.

أي سر في هذه المدينة؟ استهوت العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء، فأموها وكتبوا في أحضانها أسفاراً خالدة في كل مناحي العلم، وكتبوا عنها وعن فضائلها، وقالوا فيها ما لم يكتب أو يقال عن مدينة قط. ليس مثلها مدينة في الدنيا احتضنت الأنبياء والصحابة والصالحين, وفيها من المزارات والمدافن والمشاهد ما لا يوجد في غيرها قط.


عندما كانت أوروبا تغط في ظلمات الجهل، ومدنها الحالية كانت في أحسن الأحوال قرى بسيطة، كانت تضاء شوارع دمشق ليلاً بالفوانيس، وتضيئها نهاراً عشرات المدارس والبيمارستانات، ومئات الحمامات والنوافير والحدائق، والقصور ودور البر، ومجالس العلم وحلقات كبار العلماء.

هذه هي دمشق التي نطلب إذنها الآن لنقف بحضرة واحد من عظمائها، هو محي الدين بن عربي الذي مع أنه لا ينتسب إليها بالمولد لكنه ينتمي إليها بالاختيار. وكان له بالتأكيد سببه الخاص لاختيار دمشق.


الشيخ الأكبر:


وُلد الشيخ الأكبر محيي الدين أبو عبد الله محمدُ بن عليّ بن محمد بن أحمد الحاتمي الطائي، سنة 560هـ 1165م في مدينة مُرسِية بشرق الأندلس، ولما بلغ الثامنة من عمره غادر بلدته إلى اشبيلية ليعيش كمعظم شبان عصره المترفين، حتى بلغ العشرين من عمره حيث انقطع عن الدنيا، واعتزل الناس، ليسلك طريق التصوف. ثم أخذ بالترحال، فتوجه نحو قرطبة، ومنها نحو المغرب متجولاً ما بين مراكش وتونس، ثم عاد إلى اشبيلية ليمكث فيها سبع سنوات منقطعاً للتأمل وطلب العلم. ثم قام بعدها برحلته الأخيرة التي أوصلته إلى دمشق، فاستقر في صالحيتها وهي موئل الصالحين. ويعلل الشيخ سبب اختياره تحديداً للصالحية بقوله: ها هنا أنزه بقعة في دمشق، وأطيبها هواء وأعذبها ماء.


كان وصول ابن عربي إلى دمشق سنة 620هـ 1223م في عهد الملك المعظم عيسى بن العادل الأيوبي، وتوفي فيها سنة 638هـ124م في عهد الملك الصالح أيوب بن الكامل بن العادل، ودفن بمكان إقامته في الصالحية بسفح جبل قاسيون.

لماذا دمشق؟


يقال: بإن ابن عربي عندما كان يعيش لاهياً كفتيان عصره في اشبيلية، حلم في ليلة بنبي الله عيسى الذي عاتبه على لهوه، وتمت هداية الشاب على يديه، ومن وقتها اختار دمشق، لأن سيدنا عيسى سينزل فيها على مئذنة الجامع الأموي المسماة باسمه. ويُعَد نبي الله عيسى موضوع رمزي لمعظم فرق الصوفية، وخاصة من يقول بالحلول والاتحاد، وله عند الصوفية أهمية كبرى لأنه رمز لاتحاد الخالق بالمخلوق، إذ إنهم يزيدون على اعتقاد جمهور المسلمين بأن الله سبحانه قد خلق عيسى من روحه، فيعتقد الصوفية من أتباع الاتحاد والحلول بأن الله تعالى قد حَلَّ فيه. ولهذا تحدث الحلاج عن اللاهوت والناسوت كما فعل المسيحيون، فمن أشعاره:

سـر لاهوته الثاقـــب


لكن مع جمال الرواية، حول هداية المسيح عيسى لابن عربي، ومغزاها العميق، فأنا أرى: أن ابن عربي اختار دمشق، وسفح قاسيون بالذات، ليبث رسالته في الحب والتسامح من المكان الأنسب برأيه في ذلك العصر، وستثبت الأيام صحة وجهة نظره، فليس كمثل دمشق في التسامح، وليس كمثل دمشق في استيعابها لكل فكر. وفي الحقيقة لا يوجد في تاريخ التسامح الديني في العالم أجمع عبارات توازي أبيات ابن عربي الخالدة، التي تعبر عن إيمانه بوحدة الأديان، أو دين الحب كما أسماه، يقول:‏



لقد كنت قبلاً منكراً كل صاحب   إذا لم يكن ديني إلى دينه داني‏


وقد صار قلبي قابلاً كل ملة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن‏

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني‏

إن قول ابن عربي بوحدة الوجود هو الذي قاده إلى الاعتقاد بوحدة الأديان، لذلك نجده يقول: إن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله (فصوص الحكم، شرح القاشاني،67). كما أن إيمان ابن عربي بوحدة الوجود قاده إلى اعتقاد سقوط الفرائض عن الإنسان، لأنه يرى بأن العابد هو المعبود، والشاكر هو المشكور، يقول ابن عربي: الرب حق، والعبد حق، يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت: عبد، فذاك ميت. أو قلت: رب أنى يكلَّف؟ (الفتوحات المكية،6/236). وبلغ من إيمان ابن عربي بأن الله اتحد مع خلقه درجة أصبح معها لا يدرى: أهو هو، أم هو الله؟ يقول:
ما في الوجود غيرنا ..

أنا هو وهو هو

لقد اعتاد الناس لتلطيف أقوال الصوفية أن يصفوها بالشطح، لئلا يصموهم بمخالفة الشرع, ولكن صفة الشطح لما قاله ابن عربي لا تحل المشكلة, فهو، من وجهة نظر جمهور الفقهاء، يخالف الشرع في كل مسألة تحدث فيها, ويقولون بأن مؤلفاته العديدة كلها شاهدة على ذلك. لكن من وجهة نظر أخرى فالكل يعرف أن فكر الصوفية له طريقته الخاصة في استخدام الخيال والرمز، فوحدة الوجود مثلاً هي كلمة واسعة سعة الوجود ذاته، وكل ثقافة تفهمها بطريقة خاصة بها، فما تعنيه وحدة الوجود في الثقافة الهندية يختلف عنه في الهلينية، ويختلف عنها جميعاً ما يعنيه عند الصوفية.

المقابلة بين ابن عربي وابن رشد:


ولد أبو الوليد محمد بن احمد بن رشد في قرطبة عام520ه - 1126م، درس القرآن والفقه والطب والفلسفة، وتولى القضاء ومن ثم الوزارة، ويعد ابن رشد آخر وأشهر فلاسفة المسلمين، آمن أن الفلسفة هي الطريق للوصول إلى الله، وفضّل الحقيقة العقلية على الحقيقة الدينية، وكان رأيه في الدين انه أحكام شرعية لا مذاهب نظرية. درست أوروبا كتب ابن رشد مئات السنين، وأحرقت كتبه في الأندلس بتهمة الكفر ثم نفي، مات في مراكش عام 595هـ 1198م.


كانت المقابلة بين ابن عربي وابن رشد من المقابلات النادرة والهامة على صعيد الفكر الفلسفي والفكر الصوفي، وقد روى ابن عربي قصة لقائه المشهور مع ابن رشد بقرطبة، حيث سأل ابن رشد سؤالين لابن عربي، وتلقى منه إجابة واحدة لكليهما. أورد ابن عربي صيغة السؤال الأول بالرمز، فقال: قال لي: نعم؟ قلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم أني استشعرت بما أفرَحَه من ذلك، فقلت له: لا، فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده (الفتوحات،1/153).


كان سؤال ابن رشد الثاني الذي تميز بوضوحه هذه المرة، هو عن مدى مطابقة طريقي النظر والكشف، قال أبو الوليد: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ رد ابن عربي في إجابته رابطاً بين: نعم ولا بجملة واحدة دون انتظار ردة فعل سائله، وعلق ابن عربي قائلاً: وبين نعم ولا، تطير الأرواح من موادها.


ونحن الآن نحار في معنى الجمع بين المتقابلين: نعم ولا، هل هو تعبير حقيقي قصده الشيخ عن إمكان واستحالة الجمع بين النظر والكشف؟ أم أنه مجازي قصد به الفلسفة والتصوف؟ أو أنه رمز لازدواجية الحقيقة ذاتها؟ وربما لازدواجية الطريق إليها؟ أم أنه قصد من الجمع بين: نعم ولا، أن يبيّن أن كل منهما موجود في الآخر.


كانت فلسفة ابن رشد تقوم على إخضاع الوجود لمقتضيات العقل، وتحويله إلى علم وقوة، وهذا ما يفسر الإجابة المترددة والمتناقضة لابن عربي بين: نعم ولا. فابن عربي لم يكن يُنكِر على العقل حقه في معرفة الوجود، لكنه يرفض ادعاءه احتكار معرفة الوجود. كذلك فابن عربي لم ينكر طريق النظر، ولكنه عارض أي خلط بينه وبين طريق الكشف، يقول: فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب، لا بالعقل، ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من الفكر. ويوضح العلاقة بين الشرع والعقل والكشف بقوله:


للشرع نور وللألباب ميزان

والشرع للعقل تأييد وسلطان

والكشف نور ولكن ليس تدركه

إلا عقول لها في الوزن رجحان

ومع أن لقاء الشاب الصوفي مع الشيخ العلامة الفيلسوف - الفارق بينهما في الولادة والوفاة 40 عام- لم يصل إلى نتيجة وقتها، لكننا الآن نعرف أن الرجلين كانا ينشدان معاً كشف الحجب عن الوجود، والقرب من سره، الذي هو قرب من الأصل، لكن لكل منهم طرقه ووسائله.


ابن عربي وابن تيمية:


من أشد المستنكرين لدعوة ابن عربي كان ابن تيمية، الذي جاء إلى معقل ابن عربي في دمشق بعده بأقل من قرن، ورفع صوته مندداً بفتوحاته وفصوص حكمه وإشاراته ودلالاته, وعد كل ذلك أشكالاً من الكفر الأكبر, وبناء عليه استخدم أتباعه وصف: الشيخ الأكفر، بدل الأكبر.


إنه شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ولد عام 661هـ في حران. وحين قدم المغول انتقل مع أهله إلى دمشق. كان له دور بارز في انتصار المسلمين في معركة شقحب، فكان شيخاً مجاهداً يضرب المثل بنفسه.

خالف جمهور الفقهاء، فكثر مناظروه ومنافسوه وانتقدوا خلافه لهم بأمور شرعية، فاشتكوه إلى السلطان المملوكي فطلبه إلى مصر وحبسه في قلعة الجبل سنة ونصفاً، عاد بعدها إلى دمشق، ثم أعيد إلى مصر وحبس في برج الإسكندرية ثمانية أشهر، ثم عاد إلى دمشق، وعاد فقهاء دمشق إلى مناظرته في ما يخالفهم فيه وتقرر حبسه في قلعة دمشق، ثم أفرج عنه بأمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وكان في كل مرة يصر على العودة إلى دمشق، وكأنه كان يدرك بأن دعوته إن لم تفلح فيها فستفلح منها، وهكذا كان.


إن ابن تيمية هو الصورة المناقضة لابن عربي، ومع ذلك فقد نال هو الآخر شهرة واسعة في دمشق, ومنها سارت فتاويه في طول الأرض وعرضها، حيَّر الناس بصموده وثباته على مواقفه, وشدته على خصومه، وخاصة الصوفية وشيخهم ابن عربي, وأدهشهم بعدم تردده بمهاجمة مخالفيه, وتصريحه الذي لا يقبل الجدل: إن القول ما قلناه، ومن قال خلاف هذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. فأمضى نتيجة لذلك حياته يخرج من سجن ليدخل آخر، حتى توفي في سجن قلعة دمشق سنة 728هـ. فكانت له جنازة عظيمة، وأقل ما قيل في أن عدد مشيعيه كان خمسون ألفاً. ولكن دمشق التي تقبلت ابن تيمية حياً، واحتضنت جثمانه ميتاً لم تقبل احتكاره للحقيقة, فرحل مذهبه إلى الجزيرة العربية حيث تم احتضانه والدعوة له.


لم يكن ابن تيمية وحده في مواجهة ابن عربي، فقد أيده عدة فقهاء رفضوا فكر ابن عربي ووصفوه بأقسى العبارات, وظهرت سلسلة من الكتب في تكفيره, قال ابن حجر العسقلاني: إذا لم يكن كتاب الفصوص لابن عربي كفراً فلا كفر في هذه الدنيا.‏ ونص على تكفيره أئمة كبار منهم: الإمام الحافظ الذهبي، والإمام الحافظ السبكي، والسراج البلقيني, وقال الحافظ زين الدين العراقي: كلامه كلام ضلال وشرك واتحاد وإلحاد, وقال عنه العز بن عبد السلام: شيخ سوء يقول بقدم العالم, لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً, وبأشد من ذلك تحدث ابن كثير والإمام البكري، وابن قدامة المقدسي الذي كتب عن ابن عربي:
هذا الذي بضلاله ضلت أواخر مع أوائل ‏ من قال فيه غير ذا فلينأ عني فهو كافر‏


وجمع برهان الدين البقاعي هذه الأقوال في كتاب خاص سماه: تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي. وصار كثير من الفقهاء لا يذكرونه إلا مع الملاحدة والزنادقة وأعداء الدين.

ومن جانب آخر فقد انبرى عدد من علماء الشريعة والفقهاء للدفاع عن ابن عربي، وكتبوا عدداً من الكتب في منزلته وفضله, منهم: السيوطي والشعراني. ولكن على الرغم من كل ما قيل معه أو ضده فقد ظل ابن عربي في ذاكرة الشام الشيخ الأكبر وإمام المتقين.


السر في دمشق:


من عجائب دمشق أنها احتضنت رفات رجلين  جمعت بينهما ميتين عندما استحال الجمع بينهما أحياء: ابن تيمية وابن عربي، وهذا الجمع يعطي العالم أبلغ أمثلة تحرر الفكر في هذه المدينة التي قدستهما معاً، لأنها أدركت سر التناقض بينهما: فقد كان الشيخ محيي الدين يمثل انفتاح الأندلس وتسامحها، وانطلاقتها الفكرية السامية التي أطفأها الحقد والتعصب الأعمى ومحاكم التفتيش الإسبانية. أما ابن تيمية فهو ابن حران ذات التعددية الدينية والمذهبية الهائلة، التي يكافح كل منها للصمود بالتقوقع والتعصب. وبقى الضريحان في دمشق رمزاً لتعايش الفكر المتعدد فيها, وتظل دمشق لا تفرق بينهما في حبها واحترامها.

أثبتت دمشق أنها، بفكرها المتحرر وتقبلها لمختلف التيارات، تفوق حلب وبغداد. فالسهروردي شيخ الإشراق (النيرفانا الهندية)، شغل بأفكاره أهل حلب ردحاً من الزمان حتى ضاقوا به فقتلوه، ثم نسيه الحلبيون ونسوا الحلول والإشراق ولكنهم لم ينسوا أجمل أشعاره في الوجد الصوفي، لكن مع الأسف فهي تعد اليوم من أشعار الغزل التي يتغنون بها، ومنها:


على العقيق اجتمعنا
نحن وسود العيون
ما ظن مجنون ليلى
قد جن بعض الجنون

كذلك من بعد حلب تأتي بغداد التي صلبت الحسين بن منصور الحلاج شيخ الحلول، بقرار من الخليفة العباسي المقتدر بالله، بعد أن اتهم بالزندقة. وهو القائل في وحدة الأديان:
عَقَدَ الخلائقُ في الإله عقائداً

وأنا اعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوه

وقال الحلاج في الحلول ما يعد من أرق الشعر وأجمله:

يا نســـيم الريح قل للرشـــــــــا

لـــم يزدني الــــوِرد إلا عطشــــــــــا

لحبيب حبه وســـط الحشــــــا

لو يشا يمشي على خدي مشا

روحه روحي وروحي روحه

ن يشا شئت وإن شئت يشــــا

ابن عربي ودمشق:


كانت دمشق في كل أطوارها بلداً مشرع الأبواب أمام كل تيارات الفكر، فهي ذات مجتمع تجاري بحت، فيها من صغار المتسوقين حتى أصحاب التجارات العالمية. والاختلاط، الذي تفرضه التجارة، يعرف على الآخر وثقافة الآخر، ويولد التسامح. بينما تكون المجتمعات المنغلقة متعصبة، فالإنسان عدو ما يجهل. 


ولهذا اختار ابن عربي دمشق لإقامته ولنشر تعاليمه، وكان من نبوغ ابن العربي اختياره للمكان الأمثل لنشر دعوته وتعاليمه، فبعد تجواله في معظم البلاد الإسلامية ألقى عصا الترحال في دمشق التي أحب، وزرع فيها جسده شجرة محبة، وبادلته دمشق الحب بإخلاص، فهي تعده علماً خالداً من أعلام التراث الإسلامي العربي الشامي الدمشقي. وحتى اليوم يعد الدفن في روضة الشيخ الأكبر ميزة لا يحظى بها إلا القلة، وكان منهم رجل عظيم آخر هو الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان صريحاً في تأييده لآراء ابن عربي، وطلب أن يدفن في جواره.

وتسمى الآن المنطقة التي كان يسكنها الشيخ محي الدين وفيها الآن ضريحه باسم: حي الشيخ محي الدين أو اختصاراً: (الشيخ محدين)، أما المسجد الحالي المقام على الضريح فقد بناه السلطان العثماني سليم الأول.

إنها دمشق، التي يشرع أهلها أبوبهم لكل القادمين بسلام، ويفتحون عقولهم وصدورهم لكل الآراء والأفكار، فلولا دمشق ولولا قناعات أهلها، لما كان محي الدين بن العربي كما كان، كان من الممكن أن يكون أي شي ولكنه لولاها لما كان: سلطان العارفين وإمام المتقين.


لقد ظلت دمشق، التي احتضنت ابن عربي، تخصه بالاحترام, وتمنحه أبرك دعواتها، ولم تتوقف أفواج المريدين على زيارة مرقده, وظل أهل الشام يوفون نذورهم عند ضريحه، وعند أعتابه لا تنقطع تلاوة آي الذكر الحكيم بأصوات القراء والحفاظ والعلماء, ولا زال صوفيو دمشق والوافدون إليها إلى اليوم يعقدون مجالس الذكر عند روضته. وإذا كان دعاء أهل الشام: الحمد لله على الإسلام والسكنى بالشام، فدعاء أهل الصالحية: الحمد لله على الإسلام والسكنى بالصالحية بجوار الشيخ الأكبر.‏

 

 

منذر الحايك -ديوان العرب