آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

تفاقم ظاهرة "غياب النجم" في الإعلام السوري!..

ثلاثة عقود على انتشار البث الفضائي، الذي شكّل تحدياً كبيراً وعائقاً أمام الإعلام السوري في تقديم وتصنيع نجوم إعلامنبيل صالح مميزين، في حين قدّم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي علامات فارقة (نجوماً) على مستوى المقروء، المسموع، والمرئي، سواء على الصعيد المحلي أو العربي.


اليوم تبلغ ظاهرة *"غياب النجم الإعلامي"* أقصاها، برغم تنامي وتطور معهد للإعلام في السبعينيات، إلى قسم للصحافة يتبع كلية الآداب، ومؤخراً كلية إعلام مستقلة. ورغم رغبة التحديث وتحسين واقع الإعلام السوري لدى الجهات المعنية، والمتبدية في عدد من المؤشرات منها: تجميل واجهات مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ورغم زيادة عدد المنابر الإعلامية السورية العامة والخاصة التي بلغت ذروتها مع دخول الألفية الثالثة، إضافة لوجود كفاءات مؤهّلة لتشكيل علامات فارقة. 


ومما يؤكد تفاقم هذه الظاهرة استعانة إعلامنا الوطني بنجوم إعلام من دول الجوار خلال الأزمة، كذلك توجّه المنابر الإعلامية السورية في اختيار نجوم الدراما لتقديم برامج ضخمة الإنتاج نسبياً. 


وعليه؛ نحاول  خوض غمار واستكشاف أسباب هذه الظاهرة، عبر عينة تمثل طيف المنظومة الإعلامية، تضم 50 شخصية إعلامية فاعلة، ممن عملوا أو ما زالوا، امتنع البعض وآخرون منعهم انشغالهم، مقابل تصدي الثلث للمشاركة، وفيما يلي ننشر  تحقيقنا بما تسمح به المساحة المخصصة. 

 *مسؤولون: "الإعلام الجاد والملتزم إعلام مأزوم"* 


■ *الـ (أ.فؤاد بلاط):* معاون وزير إعلام سابق، ومدير عام سابق للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يرى أنّ: "الخوف: هو المستشار الأول للعاملين في الحقل الإعلامي السوري، لذلك رضوا بالأداء العادي والنمطي خشية الوقوع فيما لا يحمد عقباه، في حين تتطلب النجومية مساحة من الجرأة والحرية، وتبعا لذلك يحتاج النجم لإدارة قوية، توفر له مناخات الإبداع والتميّز". 


"إن لم تتوفر إدارة تجيد تصنيع النجوم فلن تسوق سياساتها، ولذلك الدور الأكبر للإدارة في التقاط الموهبة والعمل على تطويرها، وفي ظل عدم وضوح الظروف الداخلية للإدارة الحالية، لا يمكن التنبؤ بسبب تراجع تصنيع النجوم عن أولوياتها، ويبقى الرهان على الإدارة الواعية والمسؤولة، القادرة على تحقيق ما يتطلبه الصالح العام". 

*الـ (أ.معن حيدر)* : معاون وزير إعلام، ومدير عام سابق للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يفيد:"قدّمنا كإدارة عدة خطط للتطوير، إلا أننا وقفنا أمام أنظمة وقرارات مقيدة جداً وغير مرنة، شكلت عائقاً كبيراً أمام التطوير، وتحسين ورفع مستوى الأداء". 


"ومما ساهم في (غياب النجم الإعلامي): تفاقم التعيينات في المؤسسات الإعلامية العامة البعيدة عن خريجي كلية الإعلام، حتى في المكاتب الصحفية التابعة للجهات العامة، في حين من المفترض دمج المتفوقين (بالحد الأدنى العشرة الأوائل) بسوق العمل، بمعنى إلزام الجهات العامة بتوظيفهم. علاوة على أن أصحاب الكفاءات سرعان ما يحبطوا نتيجة طريقة معاملتهم، في حين يحظى غيرهم بمعاملة أفضل لتمتعهم بثقل (المحسوبيات)، وبذلك أصحاب الكفاءات ظلموا، فاحتجبوا، أو حجّموا وقبلوا بالواقع". 


"قبل الأزمة مرّ الإعلام السوري بفترة ذهبية لم يتم استغلالها، لظروف وأسباب كثيرة أهمها الوفرة المالية، وأعني الإنفاق المالي على الإعلام، فالإعلام إبهار (بالشكل والمضمون)، والإبهار يتطلب إنفاق، عملنا أثناء فترة إدارتنا على ملف التطوير والتحديث، لكنا لم نستطع تجاوز جدار الإنفاق المالي، برغم تخصيص ميزانية جيدة للهيئة، لكنها غير كافية لصناعة وسيلة إعلامية ونجوم تنافس الفضائيات المصرية، واللبنانية، والخليجية". 

*الباحث (ملاذ مقداد):* مدير الدراسات والبحوث في وزارة الإعلام، يحيل الظاهرة لـ: "العولمة: التي خلقت فوضى كبيرة باستبدالها العقل النقدي بالاستهلاكي، وعليه ليس من السهل مجابهتها، فصناعة نجم ليست نتيجة حتمية لافتتاح كلية إعلام (على أهميتها كخطوة)، إذا لا بد من توفر الإمكانيات التي يتطلبها إعلام جيد منافس". 


"في بحث أجريناه عام 2006 وجدنا التلفاز متابع بنسبة 72%، يليه الراديو، فالصحافة، أجري ذات البحث عام 2011 فتصدرت الانترنت بنسبة 60%، يليها التلفاز، وتبعا لذلك الإعلام الالكتروني -الذي بات يصدّر نجومه- يبني ثقافة وفكر ورأي 60% من المجتمع السوري. 


"رصدنا في بحث عام 2006 أي مواد الإعلام المرئي أكثر جاذبية، فتبين أنها الدراما، إذن الرسالة المقبولة من الإعلام السوري هي: الدراما، وبذلك أصبح الدرامي هو النجم وليس الإعلامي". 


"بات نجم الدراما أقرب لحس المتلقي من الإعلامي، والسؤال هل هذا بريء؟ لم يعد مطلوباً من الإعلام الحديث أن يقدم فكراً وثقافة، بل سردية تخدم صورة مسبقة لمجتمع مأمول من قبل الصانع (الغرب المتوحش)، لذلك لمسنا من بداية التسعينيات حالة انبهار بثقافة جديدة وافدة استهدفت الأسرة والمدرسة". 


"الإعلام الرسمي العربي غير متابع نسبياً أمام الفضائيات الخاصة التي تزاود في الدين وتروّج للغرائزي في آن، الإعلام الجاد الملتزم: (إعلام مأزوم)، لأنه أمام منافسة إعلام منفلت يقدم أي شيء لتحقيق أقصى انتشار، وأكبر ربح. النجومية على شاشات الفضائيات ليست حقيقية، بل فبركة غربية مستوردة، ووهمية قائمة على الإبهار، إذن المشكلة لا تتحملها المؤسسة الإعلامية فقط، بل سائر المؤسسات المشتغلة بالثقافة والتربية". 


"للأسف الشديد خسرنا بعض الرهان أمام العولمة الثقافية، إلا أنه يحسب للإعلام السوري وبرغم الأزمة صنع نجومه كـ (المراسلين الحربيين)، وعدة قصص نجاح أخرى، ولا يزال يحاول الدفاع عن القيم الحقيقية للإنسان السوري، مناهضاً قدر الإمكان التيار الاستهلاكي الذي يسود المنطقة". 

*الإعلامي (أمجد طعمة):* مدير البرامج/الفضائية السورية ينوّه إلى: "ضرورة الوقوف عند خصوصية الإعلام السوري، من حيث الخطاب الإعلامي: الإخباري، السياسي، وصولاً للترفيهي، والمنوّع وما بينهما". 


"نجد ضمن ما يقدمه الإعلام السوري: مراسلين حربيين أصبحوا نجوماً، ويكفي أن يظهر أحدهم في منطقة ما ليخلق تساؤلات في الشارع، وتوقعات ناتجة عن ثقله الإعلامي ونجوميته، بسبب أسلوبه و(الكاريزما) التي يمتلكها، والمصداقية التي بناها خلال سنوات الحرب". 


"في السياسي والإخباري والحواري لدينا من نستطيع الاعتماد عليهم، ونقول بثقة أنهم نجوم لكن ضمن معطياتهم ومقايسهم". "أتمنى ألا نجلد أنفسنا، فما نمتلكه من طاقات إعلامية قادرة على أن تكون أهم من نجوم الفن، بشرط إعطاء الفرصة لهم بالشروط التي تُعطى لمن قد نختلف عليهم عربياً أنهم نجوم إعلام". 


"ثقتي كبيرة أن لدينا (أوبرا وينفري، لاري كينغ، جون ستيوارت)، وغيرهم من الأسماء الإعلامية العالمية مخبأة في مكان ما، ستظهر عندما نحترم جهدها، ونعطيها حقها، فرصتها، وهامشها، ونبتعد عن متابعتها وفي أيدينا سوط". 

 *أكاديميون: "لدينا أسماء لكن ليس لدينا نجوم"* 


*الـ (د.محمد العمر):* عميد كلية الإعلام/جامعة دمشق يعلّل ذلك: "مزمار الحي لا يطرب، هناك كفاءات إعلامية مميزة وجيدة وخريجة كلية الإعلام في المطبوع والمسموع والمرئي، لكنّا لم نعتد أن نرفع من شأن بعضنا، إضافة لأنّ تصنيع النجم بات أكثر صعوبة ضمن هذه التخمة". 


"مرد تلك الظاهرة لسببين أساسيين: تدخّل (المعلنون، الرعاة) في فرض نجوم الدراما بغية استثمار شعبيتهم وتأثيرهم في حصد أرباح كبيرة، من خلال تقديم برامج التسلية والترفيه. والثاني: تقصير الإعلامي في التفاعل مع المحتوى الذي يقدمه". 
"الإعلامي الجيد قادر على تقديم مختلف الأنواع البرامجية عالية المستوى، بشكل أفضل وأميز، دون الانزلاق في الساذج والسطحي". 

*الـ (د.عربي المصري):* الأستاذ في كلية الإعلام/جامعة دمشق بيّن أنّ: "النجم الإعلامي قائد رأي تتبعه العامة، لذلك تتصف علاقة النظام السياسي في الدول النامية بالحذر في التعامل مع المؤسسات الإعلامية فيما يخص صناعة النجوم، لما تنطوي عليه من مخاطرة وخطورة في آن". 


"السبب الثاني: غياب الصنعة الجيدة في إعلامنا، والنجوم تكون حيث الصنعة الجيدة، في الدراما هناك نجوم لأن لدينا صنعة جيدة. لدينا أسماء لكن ليس لدينا نجوم، الإعلام السوري يعمل في ظروف صعبة جداً، وجدير بنا ألا نجلد أنفسنا، بل يجب أن نعترف أن هناك جهد وظروف عمل غير طبيعية، لكن الجمهور غير معني بذلك، أمامه إعلام يتابعك ويتابع غيرك". 
"مواصفات النجم الإعلامي: موهبة، علم، وإمكانيات معاً، الموهبة لا توظف في مكانها، ومن لديه علم يعتبروه منظراً، والممارس يعتبره المنظر (مخبص)، فلا يلتقيان، أما الإمكانيات (الله يعين ويساعد)". 

*إذاعيون: "صناعة النجم غائبة ولا نجيدها"*


*الإعلامي (أ.جمال الجيش)* يرى أنّ: "غياب النجم الإعلامي: ظاهرة تضعنا أمام جملة ظواهر، بدأت تطرأ على حياتنا المؤسساتية، منها تغييب المعايير، وتغليب المصالح، والاعتبارات الشخصية، الاستشراء الذي بدأ بسيطاً ليغدو مربكاً جداً في حياتنا المؤسساتية: (الواسطة). مع غياب المسابقات: الوسيلة الأنجع للاختيار في ميادين الإعلام، ليحل محلها دخول عناصر غير جديرة تباعاً بطرائق مختلفة غير مفهومة". 


"عملية صناعة النجوم من أهم الصناعات في العالم، سيما وأنّ العصر: عصر حروب الإعلام، أكثر من الحروب المباشرة، ولنكون منافسين حقيقيين بتشكيل الرأي العام (المحلي، الوطني، أو العربي، والدولي) علينا أن نكون واضحي الرؤية في رسالتنا وأيضاً أن نؤمن لهذه الرسائل حوامل قوية". 


"الأساليب والحوامل في الإعلام السوري تحتاج لاشتغال كبير جداً، مهما كانت نواياك عظيمة لن تستطيع التعبير عنها، إن لم يكن خطابك واضحاً ومحمولاً على أشكال زاهية ومنافسة، لا تسطيع أن تسابق طائرة حديثة بحصان خشبي". 

برنامج *"المختار"* يبلغ اليوم عامه الـ 8، ويكشف *الإذاعي (باسل محرز)*

في أنّ: "مردّ ذلك لعوامل كثيرة أهمها التجديد، وعدم الوقوع في مطب التكرار والتنميط، على مستوى الأفكار، وفريق الإعداد (ضخ دم جديد)، وطريقة الحوار. إذ ليس عادياً أن تنجز كإذاعي ما لم تستطعه قنوات تلفزيونية". 


مسيرة (محرز) الإعلامية الممتدة على 15 عاماً من العمل الدؤوب والمتواصل، أهّلته لتقديم خصوصية إعلامية حصد عبرها الشهرة. تعلقه بالقراءة منذ الطفولة، مكّنه من الريادة على مستوى القطر لثلاث سنوات متتالية في الفصاحة والخطابة، كذلك محاولاته العديد في الكتابة والنشر، ليتوّج ذلك بتحصيله الأكاديمي، ثم مشاركته في برنامج للهواة (2004) في لبنان، تدرّب فيه لفترة كافية، قبل بدء العمل بشكل جدي (2005). 


وحول غياب النجم الإعلامي يؤكد (محرز) أنّ: "الإعلام السوري لم يستطع عبر تاريخه الطويل صناعة نجم واحد، ندرة من الإعلاميين حققوا النجومية بجهودهم الشخصية، لا بفضل مؤسساتهم. الإعلامي القدير (مروان صواف) لم يصنعه أحد، بل صنع نفسه، قدّم مادة متميزة، تابعها الناس، فأحبوه، لذا استطاع بلوغ النجومية بجهده الفردي. وهو ما ينفي تماماً وجود (صناعة نجم) في السابق والراهن السوري، والسبب طريقة إدارة (المؤسسات الصانعة للنجوم) كـ: الإعلام، الثقافة، والسياحة". 


"صناعة النجم: صناعة مستقلة، ذات أسس، تبدأ بالترويج والتسويق، وهو ما لا نجيده ولا نعرفه. اختصاص غائب، ولا يدرس أكاديمياً، لذلك نصدّر منتجاتنا خاماً، لا نمتلك مهارة إضفاء اللمسات (الرتوش) التي يجيد الغير إضافتها. ولاكتساب هذه الصنعة نحتاج لسنين من العمل والاشتغال عليها. مصر، لبنان، وحتى الخليج قطع شوطاً طويلاً في تصنيع النجوم، وبقي إعلامنا متعثراً، حتى بعد فتح المجال أمام الإعلام الخاص، الذي قدّم تجارب خجولة، في التلفزة محطة أو اثنتين، صحافة غير فعّالة، التأثير الأكبر للإذاعات، لكن أغلبها تجاري: قائم على الأغاني والمنوّعات، لا يحمل أي محتوى جدّي، وبذلك لم يصنع نجوماً". 

 *مقدّمو برامج:"صناعة النجوم ليست من أولويات الإعلام السوري "* 


*الإعلامية (إيمان الرحبي)* تذكّر بأن: "التلفزيون السوري تلفزيون حكومي وطني، له توجّهات معينة، وأولويات يعمل على أساسها، وهو ليس بصدد الإضاءة على نجم إعلامي دون آخر". 


"خلال العقدين الماضيين تكاثرت الفضائيات العربية، وظهر الكثير من البرامج العالمية بنسخ عربية ذات بذخ إنتاجي كبير جداً، فالتفت المتلقي العربي لهذا النوع من البرامج، ولذلك غابت برامجنا الوطنية أمام هذه المنافسة الشديدة، وهي منافسة إنتاجية أكثر منها منافسة في مضمون ومحتوى العمل البرامجي". 


"في الآونة الأخيرة، تحاول المحطات السورية المضي في هذا الطريق، حيث تستعين بنجوم الدراما لتقديم بعض برامجها، أو بخبرات إعلامية لبنانية ليكون لهذا البرنامج جمهوره الواسع والعريض من المتابعين، ولكن! هل فعلاً نجحت هذه البرامج؟ هذا الأمر بحاجة لدراسة دقيقة وعميقة وحقيقية بنسب المشاهدة لهذا البرنامج أو ذاك". 

*الإعلامية (ميساء سلوم)* توضّح أنّ: "الإعلام بشكل عام لا يصنع نجماً، حتى لو صنعه لفترة ما -من خلال تسليط الأضواء عليه- فإنه إن لم يكن نجماً مضيئاً بذاته فإن أضواءه ستنطفىء عاجلاً أم آجلاً". 


"ملكاته، موهبته، جدّيته، رسالته، أخلاقه الشخصية والمهنية، تضيئه وتجعله نجماً يفرض نفسه على كل وسائل الإعلام". 
"أما بالنسبة للإعلام السوري فله سياسته الخاصة، التي يفرضها الواقع، وصناعة النجوم ليست من أولوياته أو اهتماماته". 

*نجوم السبعينات: "النجومية تتطلب إدارة متخصّصة داعمة"*


*الإعلامية (منى كردي):* معدّة ومقدمة البرنامج الشهير *"نجوم وأضواء"*، (بثت أولى حلقاته عام 1975)، تعتبر أنّ: "غياب نجوم لا يعني عدم وجود كفاءات تستحق بلوغ النجومية، إذا أنها تتطلب علاوة على توفر الإعلامي المؤهّل: إدارة مهنية متخصّصة، برنامج مميز، فريق عمل منسجم، تراكم في التجربة والخبرة، وإرادة صلبة لا تمل ولا تفتر. وأغلب تلك المتطلبات غير متوفرة، لذلك يغيب النجم في الإعلام السوري". 


"من الطبيعي أن يتعرض الإعلامي خلال مسيرته لعداوات و تضييق وكل ما من شأنه أن يحول دون وصوله للنجومية، لذا يتوجب عليه التسلح بقوة الإرادة، الجلد، الدأب، والمثابرة". 


"بلغ التلفزيون السوري أوج عطائه، والريادة على المستوى العربي، -بل وساهم في تدريب وتطوير كوادر التلفزيون الأردني واللبناني- عندما توفرت إدارة قوية تعمل على تقديم العون وتذليل العقبات أمام النجم الإعلامي، لا على إزاحته وإقصائه، تصفيةً للشخصي والكيدي". 


"بعد غياب طلب إلي العودة للعمل في الإعلام، وفعلاً عدت، لكني للأسف لم أجد أجواء عمل ملائمة، وفريق عمل مناسب فانسحبت". 

*الإعلامية (ماريا ديب):* معدّة ومقدّمة برنامج "ما يطلبه الجمهور" الشهير تشير إلى أنّ: "الفجوة بدأت مع البث الفضائي، الذي يتطلب جهوداً مضاعفة للتميز وإثبات الحضور، ولهذا لا ألوم الإعلاميين، بل القائمين على العملية الإعلامية. الإعلامي غير قادر على بلوغ النجومية بنفسه، ما لم يقف خلفه طاقم عمل كبير، ومؤسسة تدعمه، لدينا أسماء مهمة، لكنها بحاجة لمؤسسة تقدمها بالشكل اللائق والمناسب. بدليل أن أسماء كثيرة لم تنل حظها في الإعلام السوري، لكنها استطاعت تحقيق النجومية عندما التحقت بفضاءات إعلامية خارجية".

"ينبغي للإدارة الإعلامية ألا تهمل إعلامييها، أو تتعامل معهم كنكرات، من الخطأ أن يعامل الإعلامي كموظف، وأن يحال للتقاعد، مع الأسف الإعلامي السوري مهمَل ولا قيمة له، ولا يتمتع بأدنى مستويات الحصانة، حتى اتحاد الصحفيين لا يحمي أعضاءه، الكل يتدخل في العملية الإعلامية، يستقدم ويوظف غير المؤهل للعمل الإعلامي".

"العملية الإعلامية برمّتها منوطة بالإدارة المتخصصة، في حين تعاقبت إدارات غير متخصصة لا صلة لها بالإعلام، أتت من خارج النطاق تماماً. الإعلام منظومة غاية في الحساسية تتطلب حرفية ومهنية عالية، تكشفها وتعي بواطنها إدارة متخصصة".

"بعد إصدار الرئيس الراحل (حافظ الأسد) قراراً بصرف تعويض ملابس لمقدمي برامج التلفزيون -حرصاً على أن نظهر بالمظهر اللائق- طالبنا بلقائه لشكره، وفي اللقاء أكّد لنا بأنّ الإعلامي واجهة البلد، وهذه الواجهة لا بد أن تكون ذات فكر، أداء جيد ومحترم، وقيمة كبيرة بين الناس. ومنه فالثقة والدعم أساس العلاقة بين المؤسسة الإعلامية والقيادة العليا.

 

يمكن تصنيف أسباب تفاقم الظاهرة بحسب ما ورد لعدة مستويات:

أولاً: يندر أن تتحق في إعلاميي اليوم (موهبة، علم، تدريب، شغف، كاريزما، مصداقية، دأب، إرادة صلبة، خصوصية، أخلاق، مشروع)

ثانياً: خلل إدارة المؤسسة الإعلامية (غياب التخصص، الخوف، القبول بالعادي والنمطي، أنظمة وقرارات خانقة، ضعف الإمكانات، غياب الصنعة الجيدة، تدني الأجور، غياب المسابقات، توظيف غير المؤهلين، تضخّم عدد العاملين، تغييب المعايير، تغليب الاعتبارات الشخصية والواسطة، عدم الاشتغال على الأساليب والحوامل، إهمال وفقد الكوادر المميزة، عدم امتلاك القرار)

ثالثاً: خصوصية الواقع السوري (تأميم الإعلام، إعلام غير مستقل، تدخل عدة أطراف، هجرة النخب، المد السلفي وانحسار العلمانية، العقل الإداري، ضعف الإمكانيات، تدني الإعلانات، سطوة الرقابة، غياب الحصانة)

رابعاً: التوجه العالمي السائد (البث الفضائي، جهود مضاعفة لإحراز التميز والحضور، صعوبة تصنيع نجم، فوضى العولمة، استبدال العقل النقدي بالاستهلاكي، الإعلام الرسمي غير متابع، الإعلام الجاد مأزوم، منافسة إنتاجية طاحنة، تراجع المحلي أمام العالمي).

*صحفيون: "سورية أرضٌ نافية للنخب"* 

*الصحفي (حسن م يوسف)* يربط الظاهرة: "بالتضخم، وبموقف الإداري من الإعلامي، وبآلة الإعلام نفسها، إضافة لكون الصحفي غير محمي، حتى اتحاد الصحفيين لا يدافع عن أعضائه". 


"طبيعة المؤسسات الإعلامية طاردة للكفاءات، فالعقل الإداري يعادي أي عقل صحفي يتفوق عليه، وينكّد عليه ليلوذ بالفرار، فيبقى ذوو الكفاءات المتوسطة والضعيفة، ليفرضوا مستواهم ورؤاهم على الصحافة". 


"قلت لرئيس التحرير (عميد خولي) أنتم من يحدد حجم الصحفي السوري، فالإنسان محكوم بمخصصاته، تصوّر دخل الصحفي في البلدان العربية الأكثر فقراً من بلدنا كـ (تونس، اليمن) يساوي 9 إلى 12 ضعفاً من دخل الصحفي في سورية". 


"بكل بساطة النجم تصنعه مؤسسات تعرف ما تريد، القائمون على الإعلام السوري ليسوا أصحاب قرار، لا يعرفون سوى شيء واحد فقط، وهو البقاء على كرسيهم أطول فترة ممكنة، وليذهب الإعلام بنجومه وكواكبه وجهلته إلى الجحيم، يديرون الأمور بعقلية (جوّع كلبك بيلحقك)، وسبق ورديت عليهم (بل جوّع كلبك بيلحق غيرك)ٍ، وهذا للأسف ما حدث فعلاً". 
"أنادي بأن يكون الإعلام تابعاً للدولة وليس للحكومة، مستقلاً تماماً كالقضاء، ليمكنه مراقبة أداء الحكومة. والحل: (زيدوا المصاري، وقلّلوا الرقابة)، تنهض الصحافة أتوماتيكياً". 

*الصحفي البرلماني (نبيل صالح)* يشير إلى أنّ: "بعد الاستقلال أفرز المجتمع السوري موجات من النخب في: (الفن، الثقافة، الصحافة، السياسة، الاقتصاد، والدين)، وبعد تأميم هذه القطاعات باتت سورية أرضاً نافية للنخب، فمنذ بداية الثمانينات لم نرَ نجوماً سوى في الدراما، التي شكّلها المال الخليجي، وكانت أحد أسباب انقلاب الجمهور السوري على إرثه العلماني، وانكفائه نحو كهف الدين، فربح الجامع ما خسرته الثقافة، وكان منطلقاً لخروج جموع السلفيين ضد الدولة، ولولا تصدي ما تبقى من علمانيين لهم لكنا صرنا في خبر أفغانستان". 


"بدأت مشروعي التنويري للتعريف بهذه النخب مع بداية الألفية الثانية، فدوّنت سيرة حوالي 150 شخصية سورية، من مختلف الاختصاصات: (شعر، رسم، رواية، قصة، سياسة، اقتصاد، حرب، دراما، موسيقى، صحافة، دين، وتجارة)، لكي أذكّر الأبناء بالآباء المؤسسين للاستقلال، وذلك عبر موسوعات منها: (رواية اسمها سورية، نساء سورية، الدراما التلفزيونية السورية في نصف قرن)، بهدف تدوين الذاكرة السورية لمن يرغب في المستقبل بدراسة بنية العقل السوري". 


"واكبت نجوم الستينات والسبعينات وتتلمذت عليهم، توفي أغلبهم، لكني ما زلت أعيش معهم، فقد شكّلوا رافداً أساسياً للصحافة السورية قبل افتتاح كلية الإعلام، حيث كان يحرر إعلامنا نخبة من: (المفكرين، الأدباء، الشعراء، والسياسيين التنويريين)، وكان لدينا كتاب عمود ينتظر الجمهور رأيهم فيما يجري من أحداث، غير أن أغلبهم كانوا مناوئين لسياسات المؤسسة الحزبية، التي أكلت مبدعيها، ولم تستطع أن تفرز أكثر من بضعة أسماء في الإعلام، بعدما نفتهم الصحافة المؤممة باتجاه الصحافة العربية، ليحل محلهم صحفيون شاطرون في اصطياد الخبر، ولكن تنقصهم الثقافة الموسوعية لكاتب العمود الصحفي". 


"نجوم اليوم (fast food): يتم استهلاكهم بسرعة، ولا نجد بينهم صاحب مشروع وطني تنويري، سنعاني خلال سنوات ما بعد الحرب من نقص كبير في الخبرات، وسنبقى على هامش الأمم، إذا لم تتوفر لدينا مؤسسات وطنية حاضنة وراعية للنخب السورية". 

خلاصة:


أقرّ الجميع "غياب النجم الإعلامي"، لعدم توفر متطلبات النجومية: (إعلامي مؤهل، فريق عمل منسجم، منتج إعلامي مميز، مناخ إبداعي، وفرة الإمكانات، إدارة متخصصة داعمة)، مؤكدين أن هذه الظاهرة لا تعصف بالإعلام وحده بل بمختلف صنوف الفكر، الثقافة، الفن، والإبداع، منوّهين إلى أن اللوم لا يقع على المؤسسة الإعلامية وحدها بل الثقافية، التربوية، السياحية، وصولاً للسياسية.


يمكن تصنيف أسباب تفاقم الظاهرة بحسب ما ورد لعدة مستويات: أولاً: يندر أن تتحقق في إعلاميي اليوم (موهبة، علم، تدريب، شغف، كاريزما، مصداقية، دأب، إرادة صلبة، خصوصية، أخلاق، مشروع)، ثانياً: خلل إدارة المؤسسة الإعلامية (غياب التخصص، الخوف، القبول بالعادي والنمطي، أنظمة وقرارات خانقة، ضعف الإمكانات، غياب الصنعة الجيدة، تدني الأجور، غياب المسابقات، توظيف غير المؤهلين، تضخّم عدد العاملين، تغييب المعايير، تغليب الاعتبارات الشخصية والواسطة، عدم الاشتغال على الأساليب والحوامل، إهمال وفقد الكوادر المميزة، عدم امتلاك القرار)، ثالثاً: خصوصية الواقع السوري (تأميم الإعلام، إعلام غير مستقل، تدخل عدة أطراف، هجرة النخب، المد السلفي وانحسار العلمانية، العقل الإداري، ضعف الإمكانيات، تدني الإعلانات، سطوة الرقابة، غياب الحصانة)، رابعاً: التوجه العالمي السائد (البث الفضائي، جهود مضاعفة لإحراز التميز والحضور، صعوبة تصنيع نجم، فوضى العولمة، استبدال العقل النقدي بالاستهلاكي، الإعلام الرسمي غير متابع، الإعلام الجاد مأزوم، منافسة إنتاجية طاحنة، تراجع المحلي أمام العالمي).


ملهم الصالح - الأيام