الخلاف على د.طيب تيزيني بعد رحيله

ضحايا حرب .. هكذا أسمي مثقفينا الذين وقفوا ضد الدولة نكاية بالنظام، وليس أولهم صادق جلال العظم ولن يكون الطيب تيزيني آخرهم، غير أن الأخير كان صديقا محترما وصار عدوا محترما، وآخر مرة التقيته في مؤتمر صحارى للمعارضة بداية الأحداث، قبل أن تأكل الحرب إرثه العلماني الماركسي، عندما وقف مع الثورة السلفية ضد الدولة السورية .. وكعدو محترم لايمكننا أن ننكر أنه كان صاحب مشروع تنويري ينحو إلى قراءة الفكر العربي عبر المنهج المادي حيث يقول بتاريخية النص القرآني، وهذه أفضل فكرة تكسر سطوة المقدس وتضع النص أمام أدوات العقل وقراءته قراءة علمية بدلا من اعتماد موروث النقل واستعادة اختلاف الفقهاء وباقي السلف الصالح الذي كان الثورجيون يتكنون بهم ويسمون عصاباتهم بأسمائهم.. وعلى خطى التيزيني اعتمد الدكتور محمد شحرور منهج البحث العلمي في مؤلفه "الكتاب والقرآن" ، فحاربهما الشيخ محمد رمضان البوطي رحمه الله، ووقف معه الرفاق البعثيون متخلين عن التيزيني والشحرور إعلاميا وتم حرقهما شعبيا باجتهاد من الشيخ الشهيد ..

"مشروع رؤية جديدة للفكر العربي" مؤلف ضخم ومهم لكن لم يقرأه أحد والسبب لغة التيزيني الأكاديمية الجافة، وأذكر في نهاية التسعينات ، عندما كنت أحرر الصفحة الأخيرة في جريدة تشرين وكان د. تيزيني بنشر مقالاته فيها تحت عنوان "آفاق" التقيته مع بعض البعثيين الماركسيين في الجريدة وأظن الدكتور فايز صايغ كان بينهم، فسألني د.تيزيني رأيي بتجربته في كتابة العمود الصحفي، فقلت له ضاحكا : مهبط الزاوية الصحفية لايكفي لإقلاع طائرة جامبو، إذ أن مساحة الزاوية تنتهي قبلما تكون انتهيت من عرض مقدمتك.. العمود الصحفي يحتاج إلى الرشاقة والإثارة والمتعة والإختزال مع قليل من الزعرنة الثقافية ولابأس أن تنهي مقالك بإعادة صياغة المقدمة كخاتمة كي لاتضيع فكرتك الأساسية عن القارئ.. وأنصح أن تنشر مطولاتك داخل الصفحة الثقافية، وهذا مافعله د. تيزيني بعدها.. 
مضى الطيب بعدما أدار لنا ظهره، وبغض النظر عن موقفنا السياسي المناهض له، أرى أن إرثه العلماني مفيد لنا اليوم في
مواجهة المد الأصولي الذي أنتج كل هذا الخريف العربي..
نبيل صالح