آخر المواضيع المتعلقة

أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

التنقيب التركي في المتوسط: حق أم إبتزاز؟

إعداد: يارا انبيعة 


بعد انسحاب غالبية الشركات العالمية من سوقها، تعيش تركيا نوعاً من العزلة السياسية والإقتصادية صاحَبها شبه توقف تام لعمليات البحث والتنقيب عن البترول والغاز الطبيعي.

وفي وقت سابق، أعلنت تركيا عن اتخاذ إجراءات مفاجئة تتضمن إعلانها البدء في التنقيب والبحث عن البترول في منطقة بحرية غرب قبرص على مقربة من الحدود المصرية، الأمر الذي اعتبر العديد من المراقبين بأنه يمثل “انتهاكاً للقوانين الدولية”، ويشكل مساساً وخطراً على الأمن والإستقرار بالمنطقة بوجه عام، وبمثابة عمل “استفزازي” صريح للقاهرة نظراً لقرب المنطقة التي يتم التنقيب فيها من الحدود المصرية التي تم ترسيمها مع قبرص وذلك وفقا لإتفاقية الأمم المتحدة للبحار، الموقعة لعام 1982.


عمليات التنقيب


أعلنت السلطات البحرية التركية نيتها إجراء عمليات تنقيب عن الغاز، حتى سبتمبر/أيلول 2019، في مناطق محددة من البحر المتوسط ستجريها السفينة “الفاتح” وثلاث سفن مساندة لوجستية، فيما رأت فيها القبرصية أنها تندرج ضمن المنطقة الإقتصادية الخالصة لها.

في الأعوام الأخيرة، وقعت جمهورية قبرص، الدولة العضو في الإتحاد الأوروبي والتي لا تمارس سلطتها سوى على ثلثي الجزيرة، عقوداً للتنقيب عن الغاز مع شركات عملاقة مثل “إيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية و”إكسون موبيل” الأمريكية. لكن من الواضح أن السر يكمن في المربع “رقم 10” بالبحر المتوسط، وهو المربع الذي تعتزم تركيا الحفر والتنقيب فيه عن الغاز.

في هذا المجال، يرى الباحث والمحلل المصري، جمال طه، أن المربع “رقم 10” قريب من المنطقة التي يقع فيها حقل “ضهر” المصري، وربما قد يتشارك معه في الحوض الرسوبي، فضلاً عن أن دولة ترتبط بإتفاقات ترسيم حدود بحرية مع مصر، مشيراً إلى أن أنقره اختارت توقيت إعلان الحفر في هذه المنطقة تزامناً مع معركة طرابلس الليبية.

وأشار طه أيضاً إلى أن تركيا تهدف من خلال عملها هذا تشتيت تركيز مصر وأوروبا عن طرابلس ومعركتها المصيرية من جهة، والمساومة على حقوق ليست لها لفرض أمر واقع، وهو ما سينتهي لا محالة بالفشل، مضيفاً أن مصر لن تصمت إزاء ذلك وستتخذ إجراءاتها القانونية، وستحمي منطقتها الإقتصادية، كما أن أوروبا لن تسمح لتركيا بالمساس بمصالح دولة أوروبية عضو في اتحادها.

صراع على الغاز أم النفوذ؟

يبدو أن الولايات المتحدة قررت الدخول على خط هذه الأزمة المندلعة، حيث أعربت عن قلقها من المشروع التركي للتنقيب عن الغاز. وفي بيان لوزارة الخارجية لخارجية، أعلنته المتحدثة بإسمها مورغان أورتاغوس، جاء فيه “تشعر الولايات المتحدة بقلق عميق إزاء نوايا تركيا إجراء عمليات تنقيب في المنطقة التي تعتبرها الجمهورية القبرصية منطقة اقتصادية خالصة تابعة لها”، وأضافت أن هذه خطوة “استفزازية للغاية”، وقد تؤدي إلى تصعيد التوتر في المنطقة، ودعت المسؤولين الأتراك لوقف هذه الأنشطة، وجميع الأطراف إلى ضبط النفس.

من جانبها، أعربت فيديريكا موغريني، مسؤولة السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي، عن “قلقها البالغ” حيال إعلان تركيا نيتها القيام بأنشطة تنقيب في المنطقة، مضيفة، في بيان، أنه في مارس/آذار 2018 ندد المجلس الأوروبي بشدة بمواصلة تركيا أنشطتها غير القانونية في شرق البحر المتوسط. كما طالبت موغيريني تركيا بضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الإقتصادية الخالصة والإمتناع عن أي عمل غير قانوني، مؤكدة أن الإتحاد سيرد عليه في شكل ملائم وبتضامن كامل مع قبرص.

بدورها، حذرت الخارجية المصرية تركيا من اتخاذ أي إجراء أحادي الجانب فيما يتعلق بأنشطة حفر أعلنتها في منطقة بحرية غرب قبرص، وقالت الخارجية في بيان لها “إن إقدام تركيا على أية خطوة دون الإتفاق مع دول الجوار في منطقة شرق المتوسط، قد يكون له أثر على الأمن والإستقرار في المنطقة”، مؤكدة ضرورة التزام كافة دول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه، خصوصاً أن تركيا رفضت اتفاقية ترسم الحدود البحرية بين قبرص ومصر، الموقعة في العام 2013.

يأتي ذلك في وقت تطمح فيه القاهرة لأن تكون محطة توزيع غاز شمال المتوسط، حيث اتخذت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية خطوات جدية في إطار خطتها الهادفة لتحولها إلى مركز إقليمي للطاقة بعد أن شهدت اكتشافات الغاز ضخمة، إذ يقول حمدي عبد العزيز، المتحدث الرسمي بإسم الوزارة، إن إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم كل من مصر وإيطاليا واليونان وقبرص والأردن وإسرائيل وفلسطين، سيساعد القاهرة في تحقيق حلمها في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة والتعاون في مجال تصدير الغاز المسال إلى أوروبا، مشيراً إلى أن الدول التي شاركت في المنتدى اتفقت على التعاون فيما بينها في مجال استخراج الغاز الطبيعي، والتعاون في تصديره من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، والتي ستساعدهم تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز مسال وتصديره إلى الدول الأوروبية.

من هذا الباب، يعتبر العديد من المراقبين بأن الصراع التركي – المصري لا ينحصر فقط في موضوع الغاز، بل ايضاً له خلفية سياسية لجهة زيادة النفوذ في المتوسط لا سيما مع تصاعد حدة الخلاف بين البلدين في العديد من الملفات.

معاهدة لوزان والنفط

يرى الكثير من الباحثين بأن معاهدة لوزان للعام 1923 لم تمنع تركيا حقها في التنقيب عن النفط كما يشاع، إذ لا يوجد أي بند من بنودها ينص على هذه المسألة، أو حتى إلى قرب انتهائها.

فعن مسألة التنقيب عن النفط، تشير العديد من التقارير بأن نصوص المعاهدة، المكونة من 143 مادة، لم يوجد فيها نص أو بند يفيد بأنها منعت تركيا من التنقيب على النفط. أما عن مسألة قرب انتهاء العمل بالمعاهدة، يرى البروفسور شفيق المصري، أستاذ القانون الدولي، أن الإتفاقيات بين الدول لا تحدد بين بمدد تتفق عليها الدول ولا وجود لأمر إلزامي وفق القانون الدولي بعدد سنوات محدد لكنه يخضع للتفاوض وما تتوصل له الدول. هذا الأمر، أكدته أيضاً الباحثة في العلاقات الدولية، أماني السنوار، التي أشارت بأن الحديث عن انتهاء المدة المحددة لمعاهدة لوزان في العام 2023 ليس له أي أساس من الصحة، وهي مجرد “كذبة” لا تعرف مصدرها، فالمعاهدة تعتبر واحدة من معاهدات السلام التي أبرمت بعد الحرب العالمية الأولى ولا يوجد شيء في بنودها يشير إلى أن لها مدة صلاحية، وهي ليست معاهدة مؤقتة.

ختاماً، يبدو أن أنقره غير راضية على مسألة منتدى الغاز، حيث يشير العديد من المراقبين إلى أنه قد يشكل عقبة أساسية أمام طموحاتها في هذا القطاع، لا سيما لجهة أن تصبح المعبر الوسيط بين المنتج (دول المشرق) والمستهلك (دول أوروبا) من خلال إنشاء خط أنابيب يصل بين الحقول وبين تركيا مباشرة ثم إلى مستوردي الغاز الأوروبيين يعززه خط الغاز الروسي “السيل الأزرق” الذي سيزيد ويعزز من مكانة تركيا في هذا المجال.

من هنا، قد تشهد منطقة شرق المتوسط مزيداً من حالات التوتر والتجاذب وربما المواجهة المباشرة، خاصة مع تعقد منظومة الحسابات الإستراتيجية والسياسية للمنطقة التي تعوم فوق بحيرة من الغاز، إذ قد تلجأ أنقره إلى التصعيد للحصول على مكاسب تعويضية، سواء من خلال الضغط على قبرص أو التحرش العسكري بسفن الشركات العاملة في شرق المتوسط للمساومة في الحصول على دور في مشروعات إمدادات الغاز. تبعا لذلك، قد تصبح منطقة شمال المتوسط مشكلة دولية مرشحة للتفاقم والصراع بدلًا من أن تكون منطقة تعاون وتنسيق على أساس القواعد الدولية ذات الصلة، بما يحقق مصالح دول وشعوب المنطقة التي تفاءلت كثيراً بالإكتشافات الهيدروكربونية الضخمة.

 

 

الجمل بالتعاون مع مركز سيتا للدراسات