غياب الرؤية التركية في سورية

فرحات غوريني -مركز كارنيغي


ففي المناطق الشمالية الغربية التي استولت عليها في إطار عملية "غصن الزيتون"، مثل عفرين، لجأت تركيا إلى تكتيك التخويف لإعادة تشكيل المنطقة ذات الأغلبية الكردية على أساس إثني. 

أما في المناطق الشمالية الوسطى التي استولت عليها تركيا في إطار عملية "درع الفرات"، والتي تمتد من أعزاز في الغرب إلى جرابلس في الشرق، وهي منطقة ذات أغلبية عربية إنما مختلَطة إثنياً، فقد ركّزت أنقرة على تشييد البنى التحتية وإضفاء طابع شرعي على سيطرتها، عن طريق لجوئها إلى الدين. تسلّط هذه المقاربة الضوء على المحاولات اليائسة التي تبذلها تركيا لكبح التوسّع الكردي الذي دفعها، في المقام الأول، إلى التدخل عسكرياً في الحرب السورية، إلا أنها تُنذر بتجدّد التوترات الإثنية.

في عفرين، استخدمت تركيا وسائل "الترحيل"، وتكتيكات التخويف، وتطوير شبكات المحسوبيات، لإعادة تشكيل المنطقة التي تسكنها أغلبية كردية على أساس إثني. حتى قبل استيلائها على عفرين في آذار/مارس 2018، استقطبت العملية اهتماماً عالمياً بسبب إقدام "الجيش الحر" المدعوم من تركيا على شنّ هجمات بالغاز الكيميائي، والتمثيل بجثة مقاتلة في وحدة حماية المرأة الكردية (YPJ). وبعد وصول الجيش التركي و"الجيش الحر" إلى مدينة عفرين، تصدّرت صور أعمال النهب "الواسعة النطاق والمنظَّمة" الأخبار الدولية. وقد غادر ما لا يقل عن 167.000 من أبناء عفرين الذين تُقدَّر أعدادهم بـ 323.000 نسمة، منازلهم وأملاكهم بعدما كانت ملاذاً آمناً للنازحين السوريين.

وقد سارعت تركيا لملء الفراغ الديمغرافي عبر الآتي:

-قام الجيش التركي بترحيل 700 عائلة سورية-عربية من الغوطة الشرقية إلى عفرين، بما في ذلك عدد من قادة المجموعات المسلحة مثل "فيلق الرحمن"، والذين تمكّنوا معاً من طرد "قوات سوريا الديمقراطية".-وضعت تركيا ملكية الأراضي المحلية والركائز الاقتصادية في أيدي المسلحين العرب. فوفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، استولت فصائل "الجيش الحر" على نحو 75% من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون في المنطقة، والتي تُعد قوة محرِّكة وراء الاقتصاد المحلي. وقام وزير الزراعة التركي بكر باكدميرلي بالدفاع عن تلك الممارسات بالقول إنه لولا ذلك، لوقعت الإيرادات في أيدي حزب العمال الكردستاني.وتبعا لذلك، قامت تركيا بتوفير الأمن لـ "الجيش الحر" في مواجهة الدولة السورية، والأراضي، والمساكن، والمنافع الاقتصادية، مع قيود قانونية ضئيلة، مقابل قيام "الجيش الحر" بالقضاء على المعارضة والتطلعات الكردية في عفرين. تأمل تركيا، عبر توطين المسلحين العرب السوريين في عفرين، بإحداث تغيير دائم في التركيبة الديمغرافية للمنطقة ذات الأغلبية الكردية، ما يقلّل الفرص المتاحة أمام الأكراد لتحقيق "الحكم الذاتي" في سورية في مرحلة ما بعد الحرب، ويحول دون تحوّلهم إلى عامل محفّز للأقلية الكردية الكبيرة في تركيا.


في الممر غير الكردي بين أعزاز وجرابلس الذي استولت عليه تركيا خلال عملية "درع الفرات"، تتّبع أنقرة استراتيجية مختلفة للحفاظ على الاستقرار والسيطرة. ففي تلك المنطقة، تستثمر تركيا في مشاريع باهظة التكلفة في مجال البنى التحتية، مثل مستشفى بقيمة 17 مليون دولار في مدينة الباب، وفتح فروع سوريّة لعدد من الجامعات التركية. كذلك أرست تركيا درجة أكبر من سيادة القانون والمهنية البيروقراطية. ففي مدينة الباب، قامت تركيا بتمويل هيئة مؤلّفة من 21 عضواً ويعمل لحسابها 150 موظفاً، فضلاً عن تدريب قوة شرطة من 7000 عنصر ونشرها للقيام بدوريات في ممر أعزاز-جرابلس. 


وهذا يتناقض كثيراً مع الوضع في عفرين، حيث يحصل المسلحون على الإيرادات من أموال الفدية والاستيلاء على الأملاك الخاصة، وتتخطى أعداد المسلحين أعداد عناصر الشرطة –ما يجعل تطبيق القوانين والحقوق أكثر تعسفاً.لكن الأبرز هو أن أنقرة تستخدم مديرية الشؤون الدينية التركية (ديانت) لتحقيق التماسك الاجتماعي في ممر أعزاز-جرابلس. فقد استعان حزب العدالة والتنمية بمديرية "ديانت" لتحقيق السيطرة الاجتماعية والتوافق داخل البلاد وترسيخ الولاء له. فقد وظّفت المديرية 5600 مدرِّس من صفوف المسلحين السوريين لتدريس آلاف الطلاب السوريين في إطار منهاجٍ ديني، يدمج بين الفكر "السنّي" الحنفي والقيَم القومية التركية مع "جرعة قوية من التعاليم المناهضة للأكراد". وهذا يتماشى مع الاتجاهات التربوية المعتمدة في تركيا، حيث ازداد عدد الطلاب في المدارس الدينية بنسبة تفوق 2100% منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، من 60.000 طالب في العام 2002 إلى 1.300.000 طالب في العام 2017. التعليم الديني في سورية وسيلةٌ تستخدمها أنقرة لإعداد أئمة المستقبل وقولبتهم بغية الاضطلاع بدور اجتماعي مهم في المجتمع السوري في مرحلة لاحقة.

لا يقتصر نهج "ديانت" فقط على الطلاب السوريين الشباب الذين لا يزالون في المدارس، بحسب الكاتب. فقد وضعت المديرية نفسها، وبطريقة استراتيجية، على أنها الأساس الاقتصادي لرجال الدين الإسلامي في الأراضي الخاضعة لسيطرة تركيا في سورية. فمعظم الأئمة والخطباء في شمال سورية لم يتقاضوا رواتبهم منذ العام 2012، غير أن الدولة التركية تتكفّل الآن بتسديد هذه الرواتب لهم. كما يحصلون اليوم على راتب شهري من الدولة التركية قدره 120 إلى 150 دولاراً أمريكياً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف متوسط الراتب السوري الذي بلغ 41 دولاراً في العام 2016. ومن المعلوم أن الأئمة الحاصلين على الرعاية من مديرية الشؤون الدينية التركية (ديانت) والموجودين خارج الأراضي التركية يعملون على ترويج أجندة الحكومة التركية حتى في بلدانٍ مثل ألمانيا، حيث لا تتمتع تركيا باهتمام سياسي كبير، ولذلك غالب الظن أنهم يفعلون الشيء نفسه في بلدٍ يتنازعه أفرقاء كُثُر مثل سورية.باختصار، لقد لجأت أنقرة إلى وسائل قمعية للسيطرة على عفرين والاحتفاظ بها، في حين أنها تُفضّل الاعتماد على نهج أكثر توافقية في ممر أعزاز-جرابلس، وذلك عن طريق تنفيذ مشاريع كبرى في مجال البنى التحتية المادية والدينية. إلا أن استدامة هذه الاستراتيجية المزدوجة هي موضع شك.

على الرغم من أن عملية "غصن الزيتون" أدّت إلى السيطرة على مدينة عفرين قبل نحو عام، إلا أن الجيش التركي و"الجيش الحر" لا يزالان يخوضان حرباً محدودة النطاق ضد الجيوب الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، عبر استخدام تكتيكات الكر والفر. وعلاوة على ذلك، سعت تركيا عمداً، من خلال مخططاتها الإنمائية، إلى خلق خطوط صدع بين الأكراد والعرب، وجعل الإنماء والتطوير لعبة غالبٍ ومغلوب، ما يؤدّي إلى تأليب كل فريق على الآخر. ورداً على ذلك، حوّلت "قوات سوريا الديمقراطية" تركيزها من انتزاع الحكم في عفرين إلى الاستهداف العنيف لقادة "الجيش الحر" ومشاريع التنمية التي تتولاها تركيا. فسيطرة تركيا و"الجيش الحر" على الاقتصاد، في حين يفتقر عددٌ كبير من السكان إلى التمثيل والحقوق القانونية، تحمل في طياتها خطر تحويل مناخ الخوف السائد حالياً إلى نزاع إثني طويل الأمد، ومما لا شك فيه أنها أدّت منذ الآن إلى زرع بذور الاستقطاب الإثني. للمفارقة، لقد حرّضت تركيا على ظهور ساحة جديدة للمقاومة الكردية والعنف الشعبي ضد السلطات التركية، ما قد يؤدّي إلى توحيد الأكراد في سورية وتركيا في جبهة مشتركة ضد أنقرة.


وأشار الكاتب إلى أنّ النهج "القائم على التوافق" في ممر أعزاز-جرابلس لم يحقق سوى الحد الأدنى من النجاح، مع أنه أقل عنفاً من وسائل السيطرة المستخدَمة في عفرين. إنّ ثلثَي السكان في مدينة الباب هم لاجئون سوريون قامت أنقرة بترحيلهم بطريقة غير شرعية استجابةً للضغوط المتزايدة من الأتراك للتخفيف من عبء اللاجئين. غير أن الجهود الدينية والإنمائية الضئيلة التي تبذلها تركيا لترحيل السوريين بالقوة، لا يمكن أن تولّد الولاء للدولة التركية.

وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن استثمار أنقرة في مثل هذا المشروع المسيَّس لبناء الدولة في المدى الطويل، يضعها في خلاف محتمل مع الدولة السورية، وكذلك النزاع معها في مرحلة لاحقة. ليس هذا ما أرادته تركيا عندما قررت التدخل في سورية، ناهيك عن أنها لا تمتلك خطة خروج واضحة. 

 

 


الجمل: بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات