أفلام قصيـرة بصـور فضفاضة

لربما هي المرة الأولى التي تُوضع فيها تجربة سينمائية شابة في حوار مباشر مع الجمهور بعيداً عن الصالات المخصصة والعروض المرهونة عادةً بالمهرجانات الرسمية، هكذا اختارت فعالية «مدانا سينما» في لقائها السابع، ثلاثة أفلام قصيرة للمخرجة كوثر معراوي، عرضتها وناقشتها بمشاركة الناقد السينمائي عمار أحمد حامد والممثل عبد الله السيّار.


تنحصر تجربة معراوي السينمائية في العمل مع المؤسسة العامة للسينما، التي أنتجت أفلامها المطروحة للنقاش «أفراح سوداء، صمت الألوان، ضجيج الذاكرة»، لاحقاً شاركت هذه الإنتاجات في العديد من المهرجانات السينمائية، وحصدت جوائز عدّة، وإن كان هذا لا يجعلها أفلاماً مثالية أو خالية من الأخطاء بطبيعة الحال، من دون أن تفوتنا الإشارة إلى أن تجربة معراوي كمخرجة وسيناريست وممثلة تتيح لها اكتساب الخبرة في أكثر من مجال، يمكن أن نذكر مثلاً بأنها عملت كسكريبت ومساعد مخرج ومخرج منفذ في عدة أفلام سورية منها «مطر أيلول، صديقي الأخير، توتر عالي، الرابعة بتوقيت الفردوس، العاشق، حرائق». وفي رصيدها أيضاً سيناريو الفيلم القصير «فقط إنسان» للمخرجة ريم عبد العزيز، ومعالجة درامية لمسلسل «أولاد الشر»، إضافة إلى مشاركتها في إخراج الفيلم الروائي الطويل «حنين الذاكرة»، مع مخرجين آخرين، عن سيناريو للكاتب سامر محمد إسماعيل، ومع هذا كله تفتقر هذه التجربة لشيء ما، نضج أكبر أو قدرة على الإمساك بخيوط العمل، وهو أمر لا ينتقص منها بالتأكيد بقدر ما يضعها تحت الأضواء ويحملها مزيداً من الآمال والمسؤوليات، ففي أفلامها الثلاثة القصيرة تبتعد معراوي عن التكثيف والأحداث المتتابعة أو التي ينتظر المشاهد تدفقها نحو ذروة ما أو نقلة مفاجئة باتجاه مزيد من الشرح عبر صور فضفاضة، لا تعطي في معظمها شيئاً يستحق الذكر، سوى التأكيد على ما هو واضح أصلاً. في «ضجيج الذاكرة» الحائز جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة في دمشق بِدورته الأولى 2014، مجموعة تراكمات أو تداعيات لأحداث مضت تستحضرها فتاة عن علاقتها بأبيها كما لو كانت ومضة سريعة أو لحظة تذكرت فيها أمراً ما، لكن هذه الفكرة بالرغم من تكرارها كثيراً في مختلف الفنون من دون إضافة أو جدّة ما، إلا أنها تطرح سؤالاً ذا قيمة لدى المخرجة التي يظهر في فيلمها أن الفتاة تعامل والدها بالتجاهل واللامبالاة نفسيهما اللذين بادرها بهما، ألا يمكن لها أن تعامله بطريقة أفضل حتى لو كانت تشعر بغضب ما تجاهه؟. رد الفعل هذا يبدو مبالغاً به حد الأذية عندما تسير الفتاة مسرعة والأب خلفها، محاولاً اللحاق بها!.

في «صمت الألوان» يحكي الفيلم علاقة حب بين فتاة بكماء وشاب مصاب بالصمم وعمى الألوان، ومع إمكانية استثمار هذه الإشارات والبناء عليها، تبالغ المخرجة في بث الصور التي تبدو زائدة على الحكاية عدا عن تشعب في الأفكار، بلا أي مسوغ أو نتيجة ظاهرة، لدرجة يسأل المتفرج نفسه «متى ينتهي هذا الفيلم القصير الطويل؟»، ولا ندري ما الغاية من ملء الفيلم بالشعارات والدلالات المنقوصة عن «الأغاني الوطنية، الهجرة، الإرهاب»، وتجاهل التكثيف باعتباره السمة الأبرز في عالم الأفلام القصيرة؟. أما في «أفراح سوداء» تعيد معراوي أجزاء من الواقع المعيش والمعروف جيداً لأبناء المجتمع السوري، أماكن مستهلكة وكادر صار معروفاً، وكما في فيلمها السابق، سيل من الصور، كأن لديها مساحة فارغة يجب ملؤها، ومع أنها تراقب بحذر وشفافية عالم الأطفال في سنوات الحرب لكنها لا تنجح دائماً في التقاط إشاراته الصارخة، فأطفال اليوم بعد سنوات من الحرب يضاهون الخبراء في معرفة أنواع الأسلحة وتمييز صوتها وقدراتها القتالية، لذا من غير المنطقي إظهارهم كالغرباء أو غير الواعين أمام يوميات المأساة، مع الانتباه بالتأكيد إلى الفروقات بين أعمارهم.بقي أن نقول: إن سيناريوهات الأفلام الثلاثة تفوق الإخراج تماسكاً وتوازناً، لعل دراسة معراوي للسيناريست ساهمت في ذلك، مقدمة أرضية صحيحة يمكن البناء عليها، وهو ما نتمنى أن نراه في أفلامها القادمة.

 


تشرين