التسامح الديني في عهد محمد علي

في عام 1806 حدث خلاف بين تاجر مسلم، وشخص مسيحي بسبب قطعة قماش تالفة، وإنتهت المشادة بأن التاجر المسلم قتل الرجل المسيحي !!. وسارع التجار المسلمون، لحماية زميلهم، والتستر عليه، والمطالبة بالاكتفاء بدفع الدية فقط.. غير أن محمد علي تدخل شخصيا، وأصر على إعدام التاجر المسلم.. وهنا ثار الرعاع والدهماء ثورة عارمة، بقيادة مشايخ الأزهر، إستنادا للحديث الضعيف "لايقتل مسلم بكافر" !!. 

لكن محمد علي كان حازما صارما، وأصر على إعدام القاتل.. وبالفعل تم إعدام التاجر المسلم، على رؤوس الأشهاد.. فلا مجال عند محمد على للمجالس العرفية، و"معلش"، و"علشان خاطرى"، و"بيت العيلة"...إلخ. ولم يكتفى محمد على بذلك.. بل إنه أرسل مندوبا من طرفه، طاف بالأسواق، وأعلن للجميع أن الإعدام سوف يكون مصير كل من يجرؤ على تكرار هذه الفعلة الشنعاء.. ومنذ ذلك التاريخ دخل الدهماء ورجال الدين جحورهم رعبا وهلعا.. واستتب الأمن تماماً لمحمد على طوال مدة حكمة (40 سنة) تفرغ خلالها محمد على لإقامة نهضة كبرى، شملت كل نواحى الحياة، (تعليمية، وزراعية، وصناعية، وتجارية، وعسكرية).. وأصبحت مصر فى عصره دولة كبرى.


هذا هو الدرس الأول الذى قدمه لنا محمد علي باشا.. لكن محمد علي لم يكتفى بذلك. فلقد تميز عصره بالآتى:

(1). كان الأقباط مجبرين على ارتداء أزياء معينة ذات لون أسود، وكانت خاصة بهم وحدهم فقط، وذلك بقصد السخرية منهم والاستهزاء بهم !!. وقد ألغى محمد  هذا التقليد، وسمح لهم بارتداء الكشمير الملون.. كما أمر محمد على أيضا، بعدم إجبار الأقباط على إرتداء الجلاجل الحديدية، التى كانت تسبب لهم إزرقاق عظام الترقوة. 

(2). لم يرفض محمد علي مطلقا، أي طلب لإصلاح كنيسة قديمة، أو لبناء كنيسة جديدة.

(3). كان محمد علي أول حاكم مسلم، يمنح الأقباط رتبة الباكوية، عرفانا منه بخدماتهم لمصر.

(4). قبل محمد علي لم يكن مسموحا للأقباط بركوب الخيل والبغال.. وكان المسموح لهم به، هو فقط ركوب الحمير.. ولما جاء محمد على سمح لهم بركوب كل الدواب، شأنهم شأن المسلمين.

(5). لم يكن مسموحا للأقباط بزيارة الأماكن المقدسة.. لكن محمد على سمح لهم بزيارتها، وأوصى بحمايتهم وإكرامهم عند زيارة القدس.

(6). سمح محمد علي للأقباط بحمل السلاح، وذلك لأول مرة منذ دخول عمر بن العاص مصر.

(7). فى عام1837 صار كبار الموظفين، فى عهد محمد على من كبار ملاك الأراضى الزراعية.. ولم يفرق محمد على بين مسلم ومسيحى فى تملك الأراضى وزراعتها.

(8). فى عام 1839 صدر مرسوم، بأعفاء الأقباط من دفع الجزية.

لقد كان محمد علي حاكماّ عبقرياً، ولذلك فقد أدرك أنه لكي ينهض بمصر، ويقيم الدولة القوية الحديثة، فلابد من الاستفادة من كل الخبرات والكفاءات المصرية، بصرف النظر عن ديانتهم.. والالتزام بمبادئ العدالة، أو ما نسميه فى أيامنا هذه "المواطنه".. وتطبيقاً لهذه الأفكار، نقرأ فى كتاب "قصة الكنيسة القبطية" ص262 مايلي :

"أسند محمد علي منصب كبير المباشرين، إلى المعلم غالي أبو طاقية.. (والمباشرون هم من كانوا يقومون بجمع الضرائب).. ومنصب كبير المباشرين، يعادل حاليا منصب وزير المالية.. وكان المعلم غالى هو اليد اليمنى لمحمد علي.. وقد وضع نظاما متقدما لجباية الضرائب".


ويقول "أمير نصر" في كتابه "المشاركة الوطنية للأقباط في العصر الحديث" ص21، 


إن الأقباط قد تبوؤا مراكز عليا فى الدولة.. حيث قام محمد على بتعيين نسبة كبيرة منهم حكاما للأقاليم (وهذا المنصب يعادل اليوم منصب المحافظ).. فمثلا :


(1). تم تعيين فرج أغا ميخائيل، حاكما لمركز دير نواس.

(2). تعيين بطرس أغا أرمانيوس مأمورا لمركز وادي برديس (وتضم قنا ومديرية جرجا).

(3). تعيين ميخائيل أغا عبده حاكما للفشن ببنى سويف.

(4). تعيين تكلا سيداروس حاكما لبهحورة.

(5). تعيين أنطون أبو طاقية حاكما للشرقية.

(6). تعيين مكرم أغا حاكما لأطفيح.

وآخرين غيرهم.


(7). وإضافة لهذا كله فقد قام محمد علي بتعيين المعلم وهبة إبراهيم فى منصب كبير الكتبة.. وهذا المنصب يعادل حاليا منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية.

(8). كما اختار محمد علي، المعلم باسيليوس ليتولى الإشراف على التنظيم الإدارى.. وإضافة لهذا فقد أحاط محمد على نفسه بعدد من المستشارين الأقباط..