موت الخاشقجي يكشف أكثر من جريمة

*الجمل : بقلم جيمس أونيل -  ترجمة رنده القاسم:

في الثاني من تشرين الأول 2018 دخل جمال خاشقجي القنصلية السعودية في اسطنبول و يبدو أن هدفه كان الحصول على أوراق تتعلق بطلاقة الأخير، و لم يُر منذ ذلك الحين.


بداية ادعى السعوديون أنه خرج من القنصلية حيا، و لكنهم في وجه تسريبات موثوقة من السلطات التركية قاموا بتقديم  تفسيرات عديدة غير قابلة للتصديق قبل الاعتراف بأنه في الواقع قد مات.


و حتى الآن لم تكشف المعلومات حول مكان وجود جثة خاشقجي  و إن كانت كاملة أو مقطعة أو مذابة في الأسيد. 


و الأمر الذي اعتبر جريمة وحشية بحق صحفي مغترب كان الأساس  لغضب كبير في الإعلام الغربي، و  قياسا  لقائمة  الفظاعات التي ارتكبتها السعودية في السنوات الأخيرة يصنف  موت خاشقجي في  مستوى ضئيل، و مع ذلك لم توقف هذه الحقيقة سيل الانتقادات الموجهة إلى السعودية بشكل عام و قائدها السياسي محمد بن سلمان بشكل خاص. 

وفي الأيام الأخيرة، ظهرت تفاصيل أخرى حول الظروف المحيطة بالجريمة، و تتضمن حقيقة أن حكومة المملكة المتحدة علمت مقدما بما خطط له السعوديون بشأن خاشقجي و لكنها فشلت في تحذيره، و  على الأرجح  ليسوا الوحيدين المطلعين على خطط السعودية. 

إذن يمكن اعتبار موته، و الضجة المحيطة به، كجزء من سيناريو جيوسياسي أوسع. 


موت خاشقجي، بوحشيته و بشاعته، يمكن أن يكون بيدقا في لعبة شطرنج كبيرة. و لفهم اللعبة من الضروري العودة إلى حين أصبح محمد بن سلمان الوريث الشرعي و بدأ برنامجه السياسي. كانت هناك إيماءات مميزة لفتت نظر الإعلام الغربي، مثل السماح للنساء بقيادة السيارات. 

ولكنها كانت دخانا لحجب تحركات جيوسياسية أكثر أهمية، و أي منها لم يرق  للأميركيين أو حلفائهم.يعتمد الاقتصاد السعودي بشكل حصري تقريبا على بيع النفط، و هذه البضاعة لم تستنفذ فحسب، بل أيضا ترتبط بدولار الولايات المتحدة بشكل لا سبيل للخلاص منه، و هذا هو الحال منذ السبعينات عندما منحت إدارة نيكسون "حماية" الولايات المتحدة مقابل أن تغدو مبيعات النفط مخصصة  بالدولارات الأميركية.

و لعقود خدمت هذه الاتفاقية السعوديين (و الأميركيين) جيدا، و جلبت ثراء لا محدود للمملكة، و القليل منه أنفق بحكمة. 
وأصبحت المملكة السعودية الراعي الأكبر للإرهاب عبر العالم، داعمة المجموعات الجهادية المتطرفة في باكستان و مقاطعة شينجيانغ  في الصين و إندونيسيا و الفيليبين و أماكن كثيرة أخرى. و كل هذا تم تحمله من قبل الغرب و الولايات المتحدة بشكل خاص، و كانت هناك أسباب عديدة.

أولا :إن استخدام الإرهابيين الجهاديين خدم أهداف السياسة الخارجية الأميركية المتمثلة في تقويض حكومات لم تكن مذعنة بشكل كاف للرغبات الأميركية.


ثانيا: و هو أمر ذات أهمية كبيرة، تم الحفاظ على الدور الفريد للدولار في التجارة الدولية، و نتيجة لذلك أجبرت بقية الدول على  تقديم العون للاقتصاد الأميركي، الذي كان لولا ذلك سيتعرض لتبعات حتمية للعجز في ميزانية التجارة الداخلية و الخارجية.

ثالثا: كان السعوديون مستعدين لإنفاق مئات المليارات من الدولارات في شراء سلاح أميركي، و لم يكن من الواضح أبدا لماذا تحتاج  دولة صغيرة نسبيا للقيام بهذه الصفقات الضخمة. 


ومن الواضح أنهم قاموا بشراء معدات حربية رديئة بحيث لا يمكن لقواتهم الاستفادة منها  بشكل فعال. و قصور السعودية  العسكري  تمثل في عجزها عن هزيمة اليمن عسكريا، و هي واحدة من أفقر دول العالم، رغم مساعدة سلاح و استخبارات الولايات المتحدة و المملكة المتحدة، و انتشار استخدام المرتزقة الأجانب لشن حربها. 


ومؤخرا فقط بدأت التبعات المرعبة للحرب على شعب اليمن بالدخول إلى الوعي الغربي، و القليل من الانتباه، أو حتى عدمه، منح للأسباب الحقيقية للحرب السعودية المدعومة من الغرب على اليمن و الكامنة في موقعه الجغرافي، فاليمن يقع على طرف مضيق باب المندب و على طرفه الآخر جيبوتي موطن القاعدة العسكرية الصينية الوحيدة، و  باب المندب أحد منفذين بحريين للسعودية على البحر، و تبعا لذلك الأسواق الغنية في آسيا، و  المنفذ الثاني هو مضيق الهرمز، و الواقع فعليا تحت سيطرة إيران، العدو اللدود للسعودية و الولايات المتحدة. و الحرب على اليمن ما هي سوى حرب ثانية بالوكالة من أجل السيطرة على النفط و في هذه الحالة الأمر متعلق بتوزيعه. 

و هذا  الدور الإستراتيجي الأساسي الذي يلعبه اليمن هو السبب الرئيسي لتجاهل الدول الغربية لمحنة مواطنيها و الخروقات المتعددة للقانون الدولي. و صدق الاهتمام الغربي الحديث بضحايا عدوانه اليمنيين هو بنفس سوية صدق الغضب لجريمة خاشقجي.

هناك بعض الأدلة على أن محمد بن سلمان يتحرك من أجل بناء مسار جديد للسعودية، و لا يقصد بذلك الإيماءات بإصلاحات  داخلية أو التحرر الزائف، بل هي محاولة للتقليل من السيطرة الأميركية على البلد، و هذا الأمر يستدعي بشكل خاص سلسلة من التحركات تجاه تعاون أكبر مع روسيا و الصين، ما  تجلى في معاهدات متنوعة بما فيها قيام روسيا ببناء مفاعلين نوويين، التعاون من أجل السعر العالمي للنفط، و مناقشة قيام السعودية بشراء نظام الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية س400 الروسي.

كما أعلن أن الصين قد تكون مستثمرا محتملا لشركة النفط السعودية، الأمر المعلق حاليا. و ثانية، أي من هذه التحركات لم يرق للولايات المتحدة التي ترى في السعودية الوعاء الذهبي من أجل بيع أسلحتها التي بلا شك دون مستوى نظيراتها الروسية.و الأمر الأكثر إثارة لغضب الأميركيين يكمن في أن محمد بن سلمان لا ينوي فقط توجيه حصة أكبر من صادرات النفط السعودي إلى الصين، بل أيضا النظر في جعل الدفع باليوان، و هذه حركة ستسرع في إيقاف  دولرة التجارة العالمية، و هناك الكثير من الدوافع لهذا الانتقال بعيدا عن الدولار، مثل النمو السريع لعدد الدول المنهكة من استخدام الولايات المتحدة للدولار كسلاح في حروبها اللامنتهية ضد كل الدول التي لا تذعن لمطالبها. 


و لا بد أن تجربة العراق و ليبيا و فنزويللا، التي قامت بتحركات مشابهة للتخلص من الدولار في صفقاتها النفطية ، ماثلة أمام أعين محمد بن سلمان و هو يقوم بخطوات مترددة من أجل السير على نفس الطريق.و في هذا السياق ، يمكن النظر إلى  المطالبات الحديثة بتنحي محمد بن سلمان إثر مقتل خاشقجي من زاوية مختلفة، فردة الفعل الغاضبة على الجريمة هي بمثابة سحابة دخان لإخفاء الأهداف الحقيقية و هي تهشيم أية محاولة لتغيير الوضع الراهن الذي يخدم مصالح الولايات  المتحدة و على حساب الجميع و لمدى طويل جدا.



* محام في القانون مقيم في استرالياعن مجلة New Easterm Outlook   الالكترونية