القائد الراحل حافظ الأسد - والرئيس كلينتون

الحلقة الثانية: جواب رابين. و رسالة كلينتون للرئيس الراحل حافظ الأسد ..


بعد أسبوعين، أي بتاريخ 15 آيار 1994، عاد الأمريكيون إلى دمشق، بعد أن قابلوا رئيس الوزراء رابين في إسرائيل و سمعوا ردوده على إستجابة سورية لوديعته. و كان وزير الخارجية كريستوفر يحمل رسالة من كلينتون، لكن الرئيس الأسد رفض قبولها، قائلا : " قبل أن نتفق حول ما قيل في الردِ على الوديعة. أُفضّل تسلّم الرسالة في نهاية الإجتماع. فلنطّلع أولا على ما يريد الإسرائيليون قوله " . و ذلك للأسباب الآتية :1- طلب رابين قناة إتصال مباشرة بالرئيس الأسد، و قوبل هذا فوراً بالرفض القاطع.

2- عبر الإسرائيليون عن غضبهم من أن الرد السوري ركز على الحاجة إلى الإنسحاب، و ليس على احتياجات إسرائيل. و قال الرئيس لكريستوفر إن هذا لا يعدو أن يكون طبيعياً، و هو أن تركز سورية على أفضل ما هو في مصلحتها، و ليس على مصلحة إسرائيل.


و لم يكن رابين راضياً عن أن الأسد لا يريد أي تطبيع إلا من بعد أن يتحقق الإنسحاب الكامل. و هو أيضاً لا يستطيع قبول أن يكون المنطقة التي يجب أن تكون منزوعة السلاح متساوياً بين سورية و إسرائيل، بإعتبار أن أرض إسرائيل أصغر جداً من الأرض السورية. و في ما يتعلق بالإطار الزمني للإنسحاب، قال رابين للأمريكيين : " يمكنني تحقيق الإنسحاب في وقت أقل إذا كان الأسد مستعداً للسماح للإسرائيليين القاطنين هناك بالبقاء في ظل السيادة السورية " . ضحك الرئيس الأسد و قال : " في البداية تريدون مني السماح لليهود بمغادرة سورية و الأن تريدونهم أن يبقوا " . كان يشير هنا بالطبع إلى مطالبة جيمس بيكر المتكررة بأن يسمح الأسد لليهود السوريين بالهجرة إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة، و ذلك في عامي 1991 و 1992 . و في النهاية، ضغط كريستوفر مرة أخرى في طلب الدبلوماسية العلنية مع دمشق، قائلا : " إن رابين غير قادر على فهم السبب في ترددك في هذه النقطة " . و من غير أن تطرف للرئيس عين، قال لكريستوفر : " أنتم أحرار، و نحن لن نسير في الضباب.شخصياً، عمَّقتْ هذه المناقشة شكوكي في نيات إسرائيل، و زادت من اعتقادي أن المحادثات ليست سوى أفكار إسرائيلية، و أنها غير جدّية، و لا واقعية " . و عند هذه النقطة، أجرى الرئيس إحدى مقارناته الشهيرة : إما تقولون هو مثل المزارع الذي يجد صخرة كبيرة و هو يحرث الأرض. و من الواضح أنه لا يستطيع الاستمرار في الحراثة قبل إزالة تلك الصخرة. و ما تحاول إسرائيل فعله هو الاستمرار في الحراثة من دون إزالة الصخرة، و / الصخرة / هي الإحتلال " .


حين غادر الأمريكيون الغرفة، اقتربتُ من الرئيس، و قلتُ : " أليس من الواضح، يا سيدي، أننا نتوجه إلى إجتماع، و لا نتوصل إلى أية نتيجة؟. و نذهب إلى اجتماع آخر، و لا نتوصل إلى أية نتيجة أيضاً، لِمَ إذاتضيّعون وقتكم، يا سيادة الرئيس ؟ ".

قال الأسد لي، و في عينيه نظرة إستنكار من أب قلق : " يا بثينة، إن الإعلام العالمي بأكملهِ ضدنا، و إذا أردنا عند أي نقطة أن نقول أن هذه الإجتماعات في الحقيقة لا طائل فيها، فسيتهموننا بأننا الطرف الذي هدم عملية السلام. لكن في اللحظة التي تقبلين بها التنازل عن المبادئ لن يكون أمامك سوى الاستمرار في الإنحدار ". كان هذا القول أحد القوانين السياسية التي انغرست في ضميري و وجداني.


و في 18 أيار 1994، عاد كريستوفر و دنيس روس إلى دمشق، مرة آخرى، لتسليم رسالة متأخرة من الرئيس كلينتون. احتوت الرسالة على كثير من الكلام الجميل عن مدى سعادة كلينتون لمقابلة الرئيس الأسد في جنيڤ من أجل إنهاء الصراع و إجراء تحول في الشرق الأوسط . و قال كلينتون إنه إذا كان للسلام أن يتحقق، على إسرائيل أن تطبق الإنسحاب، و على سورية أن تطبق السلام، و على الطرفين أن يطبقا الإجراءات الأمنية. و من الواضح أنه علينا التفاوض مع الإسرائيليين حول تحديد عناصر الإنسحاب التي ستجاري عناصر السلام المحددة .

ثم أضاف : " إنني أتذكر إجتماعنا التاريخي في جنيڤ و إلتزامنا المشترك بتحقيق اختراق في مفاوضاتكم مع إسرائيل، و أنتم تعلمون أنني منذ بدء إدارتي جعلت ذلك الهدف واحداً من أعلى أولوياتي. و في لقائي برئيس الوزراء رابين، أوضح لي أنه لديه إهتماماً صادقاً بالسلام الشامل، و وافق معي على أن سورية طرف رئيسي. و قد سررت في لقائنا في جنيڤ بأنكم تشاركون في هذا الهدف. و من البيانات التي أدليتم بها بعد الاجتماع، تكوّن لدّي اقتناع أن تحقيق هذا أمر ممكن ". و أضاف أن تقدماً كبيراً قد تحقق بالفعل.

و عند هذه النقطة، وجّه الرئيس الأسد سؤالا إلى كريستوفر : " أنتم دائماً تستخدمون عبارة ' لا يوجد وقت ' أو ' الوقت ليس في صالحنا ' . ما سبب استعجالكم يا سيد كريستوفر ؟ إن هذه المشكلة موجودة لدينا منذ عقود ". 

تهرّب كريستوفر من السؤال بإجابة خالية من الدبلوماسية إلى حدٍّ ما : " ببساطة لا يمكننا أن ننتظر، فالصيف يصبح خريفاً، و الخريف ربيعاً. و هناك أحداث آخرى ستتدخل في عملية السلام. و قد يأتي شيء يؤثر تأثيراً سلبياً في المفاوضات و يعرّضها للخطر. فالمرء لا يعرف أبداً ما يكمن خلف الزاوية في الشرق الأوسط " 1.

قمة القائد الراحل حافظ الأسد - كلينتون في دمشق 1

بدأنا في منتصف شهر تشرين الأول/ 1994 نتهيأ لحدث خاص :  كان بيل كلينتون يقوم بجولة في الشرق الأوسط، و كان مقررا أن يتوقف في دمشق اللقاء قمة في القصر الجمهوري. و أراد الرئيس الأسد أن يضمن أن يلقى كلينتون ترحيباً يناسب مقامه، لكونه أول رئيس للولايات المتحدة يزور سورية خلال ولايته، منذ عشرين عاماً. لقد زار الرئيس كارتر سورية مراراً بعد مغادرته البيت الأبيض عام 1981، كما سبقه قدوم ريتشارد نيكسون عام 1974، لكن نكسون كان رئيساً مهزوماً دمرت فضيحة وترغيت سمعته إلى حدّ بعيد. وقام برحلته إلى سورية خلال الأشهر الأخيرة له في منصبه، الأمر الذي أفقده عملياً أهميته في مسألة صنع السلام العربي - الإسرائيلي، في حين كان كلينتون في قمة حياته السياسية، إذ أكمل قبل مدة قصيرة السنة الثانية من رئاسته، و كان يطمح إلى ولاية جديدة، و لم يسبق أن كان أي رئيس للولايات المتحدة مثله في اهتمامه بصنع السلام في الشرق الأوسط، وكان يحظى باحترام صادق من العرب، و لا سيما السوريين و الفلسطينيين. 


و قد صحبت الرئيس الأسد إلى مطار دمشق الدولي في ذلك الصباح من تشرين الأول/ 1994 أكتوبر ، حيث كانت الحكومة السورية بأكملها متجمعة بانتظام عند السجاد الأحمر، مستعدة للترحيب برئيس الولايات المتحدة. قبل الزيارة بأسبوع، أقدم شاب فلسطيني على تفجير قنبلة . مربوطة إلى خصره في تل بيب، و قتل واحدا و عشرين إسرائيلياً و مواطنا هولنديا. و مع أننا نمقت قتل المدنيين، فقد طرحت سورية السؤال الآتي: ما السبب الذي دفع هذا الشاب إلى أن ينهي حياته بهذا الشكل؟».


كان الجواب عندنا هو الغضب و الإذلال و اليأس، و كلها بسبب قوات الاحتلال الإسرائيلية، أما في ما يخص الولايات المتحدة، فلم يكن الشاهد سوى «إرهابي فجّر قنبلة»، و لأن الرئيس الأسد أدرك أن ما حدث سيضع كلينتون في موقف صعب، فقد دان الهجوم بسرعة لإسكات أعضاء الكونغرس الأمريكي الذين سيحاولون  استخدام الحادثة لتعطيل الزيارة إلى دمشق. قال الرئيس في تصريحه الدقيق الصياغة:" تدين سورية قتل المدنيين، أكان في بيروت أم رام الله أم تل أبيب " .

و في يوم وصول كلينتون، أطلق حزب الله صواريخ كاتيوشا على شمال إسرائيل، و كان يُخشى أن يتفاقم الوضع و يتحول إلى أزمة كبرى. لكن ذلك لم يحدث، لأن تلك الصواريخ لم تقتل أحداً. تجاهلت الولايات المتحدة الحادثة، و نحن لم ندنها، و لا هللنا لها، مع أن العالم كله يعرف روابطنا القوية بحزب الله و قائده الشاب آنذاك السيد حسن نصر الله . و قد صرح دنيس روس في مذكراته تصريحاً غير صحيح، و هو أن المسؤولين الأمريكيين صمتوا بشأن هجوم حزب الله لأننا كنا نعتمد على كلمة الأسد أنه سينزع سلاح حزب الله حين تلتزم إسرائيل، بموجب اتفاقية سلام، بالانسحاب من سورية و لبنان .2

الإستقبال في المطار و قصر الشعب  .

و الآن في وقت كتابتي هذه، بعد عشرين عاماً من لقاء القمة بين الأسد و كلينتون في دمشق، أرى كلّ محاضر تلك الاجتماعات مكدسة فوق طاولة مكتبي، ولا توجد إشارة واحدة في أي منها إلى وعد من الأسد بـ " نزع سلاح حزب الله "  إذا جرى التوقيع على السلام مع الإسرائيليين في أي وقت من الأوقات. و قد رافقتُ الرئيس في زياراته الخارجية جميعها، و حضرتُ كل اجتماع عقده مع مسؤولين أمريكيين، من أعضاء في الكونغرس، إلى سياسيين من الوزن الثقيله مثل جيمس بيكر و ييل كلينتون. و لم يقدّم الأسد مثل هذا التعهد و لو مرة واحدة، حيث كان ذلك متناقضاً مع كلّ مبادئه و مواقفه التي لم تختلف في السر عنها في العلن أبداً.


رسم الرئيس الأسد على وجهه إبتسامة خفيفة حين حطت طائرة الرئاسة الأمريكية في دمشق. و بالرغم من شكوكه المتراكمة حول الولايات المتحدة، ها هو ذا يستضيف بيل كلينتون ذاته في عاصمة الأمويين. و مما زاد من غرابة الموقف حماسة الأسد لوجود كلينتون في سورية، و كما كان لنا أن نكتشف بعد مدة قصيرة، شاركه كلينتون الشعور نفسه. فقد بدا أن التجاذب الكيميائي بين الرجلين و تصميمهما المتبادل على بلوغ الهدف قد تغلّب على التاريخ المضطرب، و على سنوات الشك في العلاقات السورية - الأمريكية، و قد طربنا لسماع النشيدين الوطنيين السوري و الأمريكي، بعد إستعراض كلينتون لحرس الشرف السوري.

تنبغي الإشارة إلى أنه، على نقيض ما أُشيع في ذلك الوقت، لم ترافق السيدة الأولى هيلاري كلينتون زوجها في هذه الزيارة لسورية. لقد ادّعى الكثيرون إنها قدمت بالفعل إلى سورية، لكنها بقيت على متن الطائرة لأن السيدة الأولى السورية، التي كانت في حداد بسبب وفاة ابنها، لم تأت إلى المطار لإستقبالها. هذا ببساطة كلام غير صحيح، و يجب تصويبه من أجل التاريخ.

بعد إنتهاء مراسم الإستقبال، صعدنا إلى السيارة متوجّهين إلى القصر الجمهوري، قال كلينتون : " منذُ أن كنتُ طفلا، و أنا أقرأ الكثير عن دمشق، و لا أصدق أنني بالفعل هنا، في أقدم عاصمة مأهولة في العالم ! " . كنتُ جالسة بين الرئيسين، أحدهما هو لي بمنزلة الأب، و الآخر احترمتهُ و أعجبت به إلى أبعد الحدود. كنتُ سعيدة جداً بسبب شعوري الشخصي بالرضا و أنا أقول لنفسي : " ها أنا أجلس بين رؤساء سورية و أمريكا ! لقد قطعتِ مشواراً طويلا حقاً يا بثينة ! " . 


و بينما كان الرئيس كلينتون يسير داخل القصر، المعروف بقصر الشعب، بدا عليه الذهول واضحاً لرؤية الهندسة المعمارية و حجم البناء الجاثم فوق قمة هضبة تطل على دمشق. و قد أضفى اللون الفستقي حيوية شديدة على القصر، الذي كان قد صمّمه قبل بضع سنوات المهندس المعماري الياباني اللامع كنزو تانغي. و ساهمت في روعتهِ الأرضيات الرخامية، و الثريات الضخمة، و الحدائق الجميلة، و قد يفسر هذا الإنطباعَ الشديدَ الذي تكوَّن لدى الرئيس كلينتون. و هو بالطبع ليس كالبيت الأبيض، لكنهُ يشع إحساساً بالدفء و الطبيعة العملية و الفخامة، فهو مركز السلطة في المدينة التي صدق كلينتون بوصفها أقدم مدينة مأهولة في الكرة الأرضية .

و حين دخلنا قاعة الاجتماعات، نظر الأسد و كلينتون عبر نافذة كبيرة تكشف منظراً بانورامياً للعاصمة السورية. بدأ الأسد يشير إلى المعالم التاريخية في دمشق : " هناك في تلك الجهة يقع المسجد الأموي. و إذا نظرتَ بهذا الإتجاه، فهناك كنيسة القديس حنانيا على طرف الشارع المستقيم، الذي اعتنق القديس بولس المسيحية فيه. و هناك جبل قاسيون، المكان الذي فيه قتل قابيل أخاه هابيل " . لم أتمالك أن أقول لنفسي : " إذا أراد الرئيس أن يريه كل ما يستحق المشاهدة في دمشق، سيكون كلينتون بحاجة إلى شهر كامل في سورية، و ليس ساعتين فقط ! "3

 

الاجتماع و التحدث عن الوديعة و العرض السوري .


حين شرعنا نعمل، استعرض كليتون : الوديعة، محاولاً التوصل إلى موقع وسط بين الأسد و رابين. و كانت الغرفة تضم إلى جانب الرئيسين وزير الخارجية فاروق الشرع، و وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، و المبعوث الخاص دنيس روس، و أنا، وافق الرئيس الأسد على مرحلتين للانسحاب الإسرائيلي (و كان في السابق يطالب بمرحلة واحدة فقط ) .

و لكن في ما يخصّ الدبلوماسية العلنية، لم يتزحزح عن التزامه السابق، و قال: «لقد سبق أن اتفقنا على أن يجري وزير الخارجية الشرع مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي. 

ماالذي حصلنا عليه مقابل ذلك؟ لاشيء لكن إن أردت الحقيقة، نحن لا نتوقع أي شيء من الإسرائيليين، و لا نريد أي شيء منهم، و الذي يجب عليهم فعله الآن هو الانسحاب من مرتفعات الجولان، بلا شروط !» .
و أضاف أنه لا يمكن لأية إشارة أخرى في مجال الدبلوماسية العلنية أن تأتي إلا بعد أن يتم توقيع معاهدة سلام. بدا و كان الرئيس الأسد يقول: «إنني أقبل وديعة رابين مع بعض التعديلات، من زاوية نظرته إلى الأمور، لم يورد قرارا مجلس الأمن الدولي الرقمين (242) و (338) أي ذكر للدبلوماسية العلنية، و كون سورية قد وافقت من قبل على المقابلة مع الشرع، يعني أن سورية اتخذت خطوات أكثر مما هو مطلوب منها، حتى من قبل المجتمع الدولي: و لا يمكنك إجراء دبلوماسية علنية حين تكون أرضك محتلة، فالاحتلال و الدبلوماسية لا يتوافقان، يا سيد كلينتون!»، إذ كان الرئيس يريد الانسحاب و الأمن ثم العلاقات الطبيعة.

أما رابين، فقد كان يسعى إلى السلام و الأمن و الانسحاب الكامل بهذا الترتيب. و مع ذلك، كان من الواضح أن الرئيس الأسد يحاول ألا يخيب " أمل كلينتون، في الوقت الذي كان كلينتون فيه حريصاً بالدرجة نفسها على ألا يخيب أمل الرئيس الأسد ، و حرص كلا الرئيسين على ألا يستفزّ أحدهما الآخر أو يزعجه. و لم يريدا أن يكون اختلاف الرأي نقطة البداية لهما، بل كانا يريدان هامشاً من الحرية للوصول إلى نقطة جوهرية إلى حدّ ما. و عبّر كلينتون عن ذلك تعبيراً رائعاً بقوله : " لنرَ إن كنا نستطيع أن نرقص التانغو معاً قبل أن نتزوج ! "، و قهقه الرجلان .

حين انتهى الاجتماع، انسحب الوفدان إلى غرفة أخرى، و بقي الأسد و كلينتون وأ نا. قال كلينتون: "لم أكن أود أن أضخّم موضوع زمن الانسحاب، لكن يبدو لي أن الإسرائيليين يصرّون على أنه ليس بإمكانهم تحقيقه في الوقت المحددة، اقترب الأسد من ضيفه الأمريكي، و حدّثه بلهجة تكاد تكون أبوية قائلاً: «أفهم كيف يحاولون تسجيل نقاط، ليس لأنهم مهتمون بالسلام , بل لأن ذلك يجعلهم يشعرون أنهم أقوى و أفضل. و أنا سأعطي هذا لك، و ليس للإسرائيليين: ستة عشر شهراً . لن أعطيهم اثني عشر شهراً، كما قيل في السابق، بل ستة عشر شهراً، و هذا في الحقيقة من أجلك، و ما كنت سأفعل هذا أبداً لولا أنك أتيت إلى دمشق لمقابلتي، لكنني لا أعتقد أنهم بحاجة إلى هذه المدة الزمنية، كما سبق أن أكدتُ في عدة مناسبات ". كان ذلك مهلة زمنية أطول من أي شيء اقترحه الرئيس الأسد سابقاً. لكن المحزن هو أنه حتى تلك المهلة الزمنية لم تُحدث اختراقاً في الشرق الأوسط.

و قد وصف مارتن إنديك مبادرة الرئيس الأسد بقوله: " ستة عشر شهرا لإتمام الانسحاب الإسرائيلي (كان قد قال في السابق اثني عشر شهراً ) و حضور إسرائيلي دبلوماسي، لكن من دون سفارة، مدة أربعة أشهر قبل إتمام الانسحاب ( في السابق كان المفترض أن تقام علاقات دبلوماسية كاملة بعد أن تُنهي إسرائيل انسحابها الكامل)" . سُرّ كلينتون كثيراً بالعرض السوري، و وعد أن يدعمه بكل ثقله 4.


1-من كتاب بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 157

2-من كتاب الدكتورة بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 159اذهب الأن وأخبرها انك تحبهالا تنتظر الغد عله لا يأتياذهب الأن وأخبرها انك تحبهالا تنتظر الغد عله لا يأتي

 

3-من كتاب الدكتورة بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 161

 

4-من كتاب الدكتورة بثينة شعبان / عشرة أعوام مع حافظ الأسد 1990-2000 / ص 163


 


 

الحلقة الثانية

رابط الحلقة الأولى